
إيران بين قرنين: في موقع الدفاع عن العالم، طراد حمادة، شهد الربع الأخير من القرن العشرين مخاض متغيرات دولية تصاعدت في الصراع الدولي، في ميدان حرب باردة وسباق التسلح وحرب النجوم بين قطبي العالم: الولايات المتحدة الأميركية والحلف الأطلسي في مواجهة الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو. وتركّز فيه الصراع على أوروبا وتطوير الأسلحة النووية والتقليدية وتقاسم النفوذ واختلاف الأنظمة السياسية والاقتصادية وتوزيع الثروات في العالم. وانتهى هذا الصراع بانهيار الاتحاد السوفياتي لأسباب اقتصادية واجتماعية وغلبة النظام الليبرالي، مما حمل فوكوياما على كتابة مقولته الشهيرة «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» في إعلان فوز النظام الرأسمالي في ظلّ عولمة وسيطرة تامّة أفقدتا الدول سيادتها القومية لصالح قيادة أحادية للنظام العالمي.
في هذه المرحلة التاريخية من عمر النظام العالمي، في حربين عالميتين متتاليتين أعقبتهما حرب عالمية باردة وحروب إقليمية متعددة في مناطق واسعة في مشارق الأرض ومغاربها، في هذه الفترة من الزمان، قامت الثورة الإسلامية وتأسست الجمهورية الإسلامية في إيران خارج خارطة الاصطفافات الدولية وفي مواجهة نظرية تقسيم العالم بين قطبين. وحين تراجع هذا التقسيم، برزت هذه القوة الإسلامية الناهضة في غرب آسيا كسدّ منيع في وجه النظام الأحادي في قيادة العالم لصالح النظام الرأسمالي الأميركي الأوروبي. وأعلنت عن نفسها قوة مستقلة سيدة لا شرقية ولا غربية. تدعو إلى مشاركة الأمم والشعوب في قيادة هذا العالم لما فيه صالح الإنسانية جمعاء.
وعليه، فقد شنّت قوى إقليمية ودولية حرباً ضروساً على النظام الإسلامي الجديد، استمرت سنوات طويلة، عُرفت بعنوان الحرب المفروضة، مراحلها ثلاث:
(1) حرب «الدفاع المقدس» وتحرير الأراضي الإيرانية المحتلة،
(2) حرب معاقبة المعتدي بعد تحرير خورمشهر في عام 1982،
(3) حرب الدفاع في نقاطها وقواعدها العشر الشهيرة والتي انتهت بفتح الجبهة مع العدو الصهيوني المحتل لفلسطين والقدس. وعندما صارت قادرة على تحقيق انتصارات كبرى، دخلت أميركا الحرب مباشرة بإسقاط الطائرة المدنية الإيرانية وبعدها قرار وقف إطلاق النار والدخول في مرحلة جديدة من الصراع؛ على علاقة مباشرة بطبيعة النظام الدولي ودور العالم الإسلامي ودول غرب آسيا في إدارة هذا النظام، وقابلت ذلك مقولة صراع الحضارات وبدء التحضير لأشكال أخرى من الصراع الدولي.
رافقت هذه التطورات ما طرحته موضوعات رسالة الإمام الخميني إلى غورباتشوف وفيها صورة لنظام دولي مختلف عن الرؤية الأميركية وصريح في إعلان رفضه لقيام نظام دولي أحادي لإدارة العالم.
دخلت المنطقة في مرحلة جديدة على قاعدة غزو العالم الإسلامي من أطرافه في أفغانستان وثم الحرب على العراق بعد احتلال الكويت، والحرب الثانية في احتلال العراق وتطويق إيران ومحاصرتها وإعلان مرحلة الحصار الاقتصادي والعلمي ومباشرة حرب نظام العقوبات، وهو نظام عدواني صريح وشديد المخاطر ولزمت مواجهتُه جهوداً كبيرة.
يظهر على الحقيقة أنّ النظام العالمي الآن، وفي هذا الميدان، يجعل إيران الإسلامية، وما تمثّل، رأسَ الحربة في مواجهة السيطرة الأميركية الصهيونية على العالم
أعقبت هذه المرحلة مراحل الحرب الناعمة وانطلاق الثورات العربية وتغيير النظام العربي القديم. ثم شَنُّ حرب الإرهاب التكفيري في دول عربية عدة وتفجير الحرب الداخلية بالأمصار العربية في المشرق وفي المغرب.
ذهبت الولايات المتحدة إلى غزو الشرق العربي والإسلامي، وأدارت ظهرها لتفكك الاتحاد السوفياتي وتركت صراعها التقليدي مع النظام الشيوعي العالمي بما فيه الصراع مع الصين، إلى درجة سمحت لروسيا باستعادة أنفاسها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والحفاظ على قوتها النووية. وكذلك سمحت الفرصة لاستفاقة المارد الصيني ليصبح مصنع العالم وعقله العلمي والتكنولوجي المبدع، مما يجعله نموذجاً دولياً منافساً بقوة للنظام الليبرالي الأميركي الأوروبي.
خاضت إيران الحروب المتنوعة، في عزيمة وثبات عاليين، وحققت انتصارات حقيقة، حتى حملت كلاً من أميركا وأوروبا إلى طاولة المفاوضات بما هي نظام إسلامي مستقل ومشارك في إدارة النظام الدولي، وتم الاتفاق حول البرنامج النووي، بعد أن استطاعت مقاومة أشكال الحرب الناعمة وحرب الإرهاب و الحصار والعقوبات.
وسمح موقف إيران بمساعدة الصين وروسيا في مواجهة قوى النظام الدولي الجديد. كما استطاعت دعم حركات التحرر والمقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان ومناطق أخرى، في دعوة صريحة إلى تضامن شعوب ودول غرب آسيا في مواجهة النظام الإمبريالي الجديد. وحصلت حروب عدة كانت أهمها حرب تموز في لبنان وحروب غزة وحرب اليمن والحرب في أفغانستان والحرب ضد الإرهاب في سوريا والعراق واليمن ومناطق أخرى من العالم، وحصل تفاهم متحرّك إيراني أميركي روسي، استمر في صعوده وهبوطه حتى حرب غزة والحرب الكبرى في لبنان وإيران وما شهدته منطقة الشرق الأوسط من نتائج هذه الحروب.
بعد ولاية ترامب الأولى وخروجه من الاتفاق النووي وإعلان صفقة القرن والدعوة إلى التطبيع وتهويد القدس واستمرار الحرب على إيران ولبنان وسوريا والعراق وفلسطين، أحدثت حرب غزة هزة كبرى في حركة النظام الإقليمي والدولي. وكأنها كانت مخاضاً لولادة موازين قوى جديدة في العالم. الحرب تشبه زلزالاً يغيّر شكل الطبيعة وينتج صورة جديدة تختلف عمّا قبلها وتضع العالم أمام جغرافيا سياسية مختلفة.
يظهر على الحقيقة أنّ النظام العالمي الآن، وفي هذا الميدان، يجعل إيران الإسلامية، وما تمثّل، رأسَ الحربة في مواجهة السيطرة الأميركية الصهيونية على العالم في غرب آسيا، وفي الدفاع عن روسيا في حربها التي اندلعت مع أوكرانيا بدعم الحلف الأطلسي، وعن أميركا اللاتينية في مواجهة الغزو الأميركي في عهد ترامب، وكذلك الدفاع عن الحركة التصاعدية للعملاق الصيني.
مصير كل هذه القوى في نتائج الميدان الذي تدافع فيه إيران عن العالم ضد التغوّل الأميركي. ولذلك إن هذا العالم مطالب بالدفاع عن نفسه، واليقظة لأهداف الهيمنة الجديدة في إعلان مجلس السلام العالمي وتهديد مصير الأمم المتحدة ومؤسساتها ودور مجلس الأمن الدولي ومتعلقاته وموازين القوى داخله.
وعليه، فإنّ التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى في مسار متّصل بين نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن في الألفية الثالثة؛ لتكون إيران قوة دفاع وإنقاذ حق الأمم والشعوب في الحرّية والسيادة والأمن والمشاركة والتنمية والتقدّم والسلام. وهذا يجعلنا، رغم قساوة وصعوبة هذه المرحلة، متمسّكين بقواعد حرّية الإنسان وحقه في الوجود. ولذلك، ننظر إلى المستقبل بثقة عالية، أن عالمنا محفوظ من كل عدوان، وإيران محفوظة ومصانة، وأن التاريخ يعيد نفسه في موقف ومكانة إيران في الدفاع عن هذا العالم في حروب تواصلت ما بين قرنين.
* كاتب ووزير
