مقالات

فشل التعقل الافراطي ، عندما تتقدم الحكمة الالاهية

*التعقّل الإفراطي، حين تتقدّم الحكمة الإلهية على الفهم البشري* جعل الله تعالى العقل نعمة عظيمة ووسيلة لمعرفة الحق، لكنه لم يجعله المصدر الوحيد للهداية، ولم يمنحه القدرة على الإحاطة بكل أبعاد التشريع الإلهي. ومن هنا، فإن الخلل لا يكمن في استعمال العقل، بل في الإفراط في الاعتماد عليه إلى الحد الذي يظنّ فيه الإنسان أنّه قادر، من خلال التفكير وحده، على حلّ جميع مشاكله الدينية والدنيوية، وفهم حكمة الله كاملة من دون الرجوع إلى الوحي والتسليم له.

التحذير من «ساكن الطرف»: خطر التردّد الفكري

ورد في الروايات التحذير من فئة وُصفت بـ «ساكن الطرف»، وجاء في المأثور:

«احذر ساكن الطرف».

ومعنى هذه الرواية لا يقتصر على المكان، بل يتعلّق بالحالة الفكرية والنفسية للإنسان. فساكن الطرف هو الذي مغتر بعقله ويُكثر من التفكير والتحليل والتردّد، حتى يظنّ أنّ التفكير المتعمّق وحده كافٍ لاتخاذ القرار الصحيح. هذا الإنسان يُعلّق التزامه بانتظار اكتمال الفهم، ويؤجّل الطاعة إلى حين زوال كل تساؤل، مع أنّ الإيمان في حقيقته يتطلّب حسمًا وثقة وتسليمًا، لا دورانًا دائمًا حول الاحتمالات.

دين الله لا يُنال بالعقل المجرّد

عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال:

«إنّ دينَ الله لا يُصابُ بالعقول».

هذه الرواية لا تعني إلغاء دور العقل أو تحقيره، بل تعني أنّ العقل وحده، إذا انفصل عن الوحي، لا يستطيع أن يصل إلى حقيقة الدين ولا إلى مقاصده الكاملة. فالعقل أداة للفهم والاستيعاب، لكنه ليس حاكمًا على التشريع الإلهي. وعندما يظنّ الإنسان أنّه لا يلتزم بحكم شرعي إلا بعد أن يدرك علّته كاملة ويقتنع به عقليًا، فإنّه يكون قد جعل عقله ميزانًا فوق ميزان الله، وهذا هو جوهر التعقّل الإفراطي الذي حذّرت منه الروايات.

نبذ القياس: رفض إخضاع الدين للمنطق البشري المحدود

شدّدت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) على رفض القياس في الأحكام الفقهية والشرعية. وقد ورد عن الإمام الصادق (ع):

«إنّ أوّل من قاس إبليس».

فالقياس يعني أن يقارن الإنسان بين حكمين شرعيين بعقله، ثم يوسّع أحدهما أو يلغي الآخر بناءً على التشابه الظاهري بينهما. وهذا الأسلوب يفتح الباب لتحكيم الرأي الشخصي والهوى، لأن العقل البشري محدود، بينما التشريع الإلهي قائم على علمٍ محيطٍ بكل شيء. ولذلك، فإن الاعتماد على القياس هو مثال واضح على انحراف العقل عندما يتجاوز حدوده ويتدخّل في ما لم يُؤذَن له به.

حكمة الله فوق كل الأمور

تؤكّد الروايات أنّ الله تعالى حكيم في كل ما شرّع وأمر ونهى، سواء أدرك الإنسان الحكمة أم لم يدركها. فعدم فهم العلّة لا يعني عدم وجودها. ومن الخطأ أن يربط الإنسان التزامه بأحكام الله بمدى انسجامها مع تصوّراته الذهنية. الإيمان الحقيقي يقتضي التسليم بأنّ حكمة الله أوسع من عقولنا، وأنّ ما خفي علينا اليوم قد ينكشف غدًا، أو قد يبقى سرًّا لا نُطالَب بمعرفته.

التوكّل الحقيقي بعد أداء الواجب

التوكّل على الله من أعظم شروط النجاح في الدنيا والآخرة، لكنه لا يتحقّق إلا بعد أداء الإنسان لواجباته الدينية والعملية. فالإنسان المكلّف مطالب أولًا بالالتزام بما أوجب الله عليه، وباجتناب ما حرّمه، ثم بعد ذلك يفوّض النتائج إلى الله ويثق بحكمته. أمّا ترك الواجبات أو تجاوز المحرّمات بحجّة التوكّل، فليس توكّلًا، بل هو نوع من التواكل والتبرير.

ثبات الحلال والحرام إلى يوم القيامة

ورد في الروايات المعتبرة عند الشيعة:

«حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة».

وهذا المبدأ يضع حدًّا لمحاولات تبرير المخالفات الشرعية بحجّة تغيّر الزمان أو صعوبة الظروف. فالشدائد لا تُسقط التكليف، بل تختبر صدق الالتزام. ومن يجعل الأزمات ذريعة لإعادة تعريف الحلال والحرام، يكون قد قدّم فهمه الشخصي على حكم الله.

الجنّة ثمرة الجهد لا ثمرة الأعذار

الجنّة لا تُنال بالتبرير ولا بالتحجّج ولا بكثرة الكلام، بل تُنال بالعمل والالتزام والصبر على الطاعة. وقد أكّد القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.

فالمجاهدة تعني تحمّل المشقّة، ومخالفة الهوى، والاستمرار في الطريق رغم الصعوبات، لا البحث عن الأعذار التي تُخفّف ثقل التكليف.

الخلاصة

العقل في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) له مكانته، لكنه ليس المرجع الأعلى فوق الوحي. المطلوب من الإنسان أن يستخدم عقله في الفهم، لا في الاعتراض، وأن يجعل التسليم لحكمة الله أساسًا لسلوكه. وعند الشدّة، يكون النجاح في الثبات والعمل والتوكّل، لا في التعقيد والتبرير. فحكمة الله فوق كل الأمور، ومن وثق بها وسلّم لها، كان من الفائزين.

https://mohammadabbaskawrani.com

#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة

https://t.me/M_Civilization  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية