
*مقاطعة البضائع الأمريكية والغربية، نحو التحرّر من عبودية الهيمنة لا مجرّد الاحتجاج السياسي*، محمد كوراني، لا يمكن اختزال مقاطعة البضائع الأمريكية والغربية في كونها ردّة فعل عاطفية أو موقفًا احتجاجيًا مؤقّتًا على سياسات استعمارية أو عدوانية. فالمقاطعة، حين تُفهم في إطارها الأعمق، تمثّل حركة وعي حضاري تسعى إلى تفكيك منظومة هيمنة ناعمة أعادت تشكيل أنماط الاستهلاك، والذوق، والقيم، وحتى أنماط التفكير في المجتمعات المسلمة وغيرها من شعوب العالم.
إنها ليست مقاطعة ضد منتجٍ بعينه او شركة محددة لصالح منتج او شركة اخرى، بل مراجعة جذرية لعلاقة غير متكافئة بين مركزٍ مهيمن وأطرافٍ مستهلكة.
*أولًا: الاقتصاد الاستهلاكي كأداة هيمنة ناعمة*
تعتمد الهيمنة الغربية المعاصرة على ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية والثقافية بـ القوة الناعمة، حيث لا تُفرض السيطرة بالقوة العسكرية فقط، بل عبر:
احتكار سلاسل الإنتاج العالمية،
السيطرة على العلامات التجارية الكبرى،
صناعة الرغبات عبر الإعلان والإعلام،
تحويل الاستهلاك إلى هوية اجتماعية ونفسية.
المنتجات الاستهلاكية الغربية لا تُباع فقط بوصفها سلعًا، بل كـ أنماط حياة تحمل في داخلها منظومة قيم: الفردانية، اللذة، السرعة، الترف، والارتهان الدائم للسوق.
*ثانيًا: المقاطعة كحالة وعي لا كفعل احتجاجي*
المقاطعة هنا ليست رسالة غضب، بل فعل إدراك:
إدراك لأساليب التسويق الخادعة والشعارات الزائفة (الحرية، التقدّم، السعادة).
إدراك لكون الاستهلاك المفرط يُنتج إنسانًا تابعًا لا حرًّا.
إدراك لآليات الهيمنة الهادئة التي تُفرغ المجتمعات من قدرتها على الاكتفاء والإبداع.
إنها يقظة ضد الاستعمار النفسي الذي يجعل المستعمَر يدافع عن منتجات المستعمِر، ويبرّر تفوّقه، ويشعر بالنقص دون تقليده.
*ثالثًا: التعلّق بالمنتج بوصفه متلازمة تبعية*
في علم النفس الاجتماعي، تُشبه هذه العلاقة ما يُعرف بمتلازمة التعلّق بالمهيمن "متلازمة استوكهلم"، حيث:
يُبرَّر الظلم بدعوى “الضرورة”،
يُنظر إلى النموذج الغربي بوصفه قدرًا لا بديل عنه،
يُعاد إنتاج التبعية تحت ستار الواقعية أو الحداثة.
هذا التعلّق ليس بريئًا، بل نتيجة تراكم طويل من إعادة تشكيل الوعي عبر التعليم، الإعلام، والاقتصاد.
*رابعًا: البُعد الأخلاقي والإنساني*
إن أخطر ما في النموذج الاستهلاكي الغربي ليس مادّيته فحسب، بل تفريغه الإنسان من المعنى:
تحويل الإنسان إلى مستهلك دائم،
ربط القيمة بالامتلاك لا بالأخلاق،
تهميش الضمير لصالح المنفعة.
وقد كشفت أزمات أخلاقية عالمية – من الفساد السياسي إلى الابتزاز الجنسي للنخب – كيف تُستخدم السلطة الاقتصادية والإعلامية لإخضاع الأفراد والدول، وتحويل الإنسان إلى أداة داخل منظومة بلا قيم.
المقاطعة هنا تتحوّل إلى موقف أخلاقي لحماية الإنسانية من التحوّل إلى كائن مفرغ من الإرادة، أو آلة استهلاك بلا روح.
*خامسًا: التكنولوجيا بين الاستفادة والتحرّر*
حتى في مجال التقنيات، لا يعني نقد الهيمنة الدعوة إلى الانعزال أو رفض العلم. بل المطلوب:
الاستفادة الواعية من التكنولوجيا المتاحة،
نقل المعرفة لا تبنّي التبعية،
الاستثمار في الكفاءة الذاتية العلمية،
بناء بدائل محلية أو إقليمية تدريجيًا.
التحرّر لا يعني القطيعة مع العلم، بل فكّ الارتباط بين التقدّم والتبعية.
إن مقاطعة البضائع الأمريكية والغربية، وخصوصًا الاستهلاكية منها، ليست مجرّد رسالة اعتراض سياسي، بل:
مشروع تحرّر من العبودية الاقتصادية،
مسار وعي ضد الاستعمار الثقافي،
محاولة لإنقاذ الإنسان من الاغتراب والابتذال،
خطوة في طريق استعادة الإرادة والكرامة.
إنها ليست ضد شعبٍ أو حضارة، بل ضد منظومة هيمنة تُفرغ الإنسان من إنسانيته، وتُخضع العالم باسم التقدّم.
وحده الإنسان الواعي، القادر على الاختيار، هو القادر على بناء حضارة عادلة…
أما المستهلك التابع، فمهما امتلك، يبقى عبدًا.
https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة
https://t.me/M_Civilization #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
