
*مقاطعة البضائع الأمريكية والكماليات : حركة تحرر من العبودية المعاصرة* م كوراني ، الرفض كفعل تحرري، في عالم تسوده العولمة بقيادة غربية، لم تعد المقاطعة الاقتصادية مجرد أداة احتجاج سياسي عابر، بل تحولت إلى مشروع تحرري شامل. إن مقاطعة البضائع الأمريكية والغربية، خاصة الاستهلاكية منها، تشكل وعياً نقدياً عميقاً يهدف إلى تفكيك سلاسل التبعية المادية والثقافية، واقتلاع جذور "العبودية الطوعية" التي فرضتها آليات الهيمنة الغربية الحديثة.
*الفصل الأول: من الاعتراض السياسي إلى الوعي النقدي: تفكيك الهيمنة الهادئة*
تتجاوز المقاطعة كونها رد فعل على سياسات استعمارية ظاهرة، كالدعم غير المشروط للكيان الصهيوني أو التدخلات العسكرية. إنها مواجهة لعملية "الهيمنة الهادئة" (Soft Hegemony) التي صاغها أنطونيو غرامشي، حيث يتحول النظام المهيمن إلى "بديهية ثقافية" تُقبل بقناعة. فالإعلانات والعلامات التجارية والأفلام لا تبيع منتجات فحسب، بل تبيع قيماً وأنماط حياة ونظاماً وجودياً يُقدس الاستهلاك والفردية المفرطة وينزع القداسة عن العلاقات الاجتماعية والأخلاقية. المقاطعة، بهذا المعنى، هي يقظة تجاه "الشعارات الزائفة" كالحرية والتنوع، بينما تخدم في العمق تعميق التبعية وإفراغ الهويات الأصلية من مضمونها.
*الفصل الثاني: التحرر من "متلازمة ستوكهولم" الحضارية: كسر وهم التبعية*
يشبه التعلق المرضي بالمنتجات والثقافة الغربية "متلازمة ستوكهولم" على مستوى الحضارات، حيث يطور التابع عاطفة إيجابية تجاه المهيمن رغم استغلاله. لقد حولت الآلة الإنتاجية الغربية المستهلك إلى "عبد طوعي" يربط هويته بقيمة مادية (هاتف ذكي، علامة ملابس)، ويعيد إنتاج علاقات القوة يومياً عبر خياراته الشرائية. المقاطعة هي كسر لهذه الدائرة؛ فهي رفض لعبودية الرغبة المستحدثة، وإعلان للاستقلال النفسي والاقتصادي. إنها محاولة لعلاج أمة من "الاستلاب الثقافي" الذي يجعلها تنظر إلى ذاتها بعيون غربية، فتحتقر تراثها وتستحي من هويتها.
*الفصل الثالث: إنقاذ الإنسانية من الوحشية الآلية: مواجهة الابتزاز الشيطاني*
تستند الرؤية الغربية الحداثية المتطرفة على فلسفة مادية اختزالية، تسعى لتحويل الإنسان إلى مجرد "وحدة إنتاج واستهلاك" – أو كما وصفها الكاتب "ماكينة فاقدة للإرادة". هذه الرؤية تصل ذروتها الخطيرة في تحالف النخب الفاسدة مع مراكز القوة العالمية، كما يجسدها فضيحة "جزيرة إبستين"، حيث أصبح الابتزاز المالي والجنسي أداة للسيطرة على القيادات وضمان ولائها للنظام العالمي الجديد. المقاطعة، في هذا السياق الأوسع، ليست موجهة ضد "الغرب" كعرق أو دين، بل ضد نظام قيمي شيطاني يهدف لاستعباد البشرية جمعاء، بمن فيهم الشعوب الغربية نفسها، وربط مصائرها بأقلية طفيلية. إنها حركة دفاع عن "الصنف البشري" (كما جاء في النص) للحفاظ على إنسانيته وأخلاقه وإرادته الحرة أمام آلة التفكيك المادي.
*الفصل الرابع: نحو كفاءة ذاتية استراتيجية: التعامل مع التقنية دون تبعية*
لا تعني المقاطعة رفضاً رومانسياً لكل ما هو غربي، ولا دعوة للعزلة التكنولوجية. بل تدعو لاستراتيجية ذكية تقوم على:
1. "فك الارتباط" الانتقائي: استخدام التقنية كأداة محايدة مع وعي تام بمنصات المراقبة والتبعية (كبعض التطبيقات ووسائل التواصل). يمكن استخدام البدائل المفتوحة المصدر أو الآمنة حين تكون متوفرة.
2. توطين المعرفة والتقنية: جعل الاعتماد على الذات العلمية والصناعية هدفاً استراتيجياً، عبر الاستثمار الجاد في التعليم النوعي والبحث العلمي الموجه لخدمة الحاجات المحلية.
3. التحالف جنوب-جنوب: بناء شبكات تعاون اقتصادي وتقني مع دول وأمم تشاركنا الرغبة في نظام عالمي متعدد الأقطاب، بعيداً عن الهيمنة الأحادية.
*المقاطعة كواجب إنساني وأخلاقي*
ختاماً، لم تعد مقاطعة البضائع الأمريكية والغربية خياراً ثانوياً أو تكتيكاً مؤقتاً. لقد أصبحت ضرورة وجودية وأخلاقية. إنها معركة لاسترداد الإرادة، واستعادة السيادة على القرار الاقتصادي، وحماية العقل والقلب من غزو ثقافة تستهدف تحويل الإنسان إلى كائن استهلاكي منفرد، سهل القيادة والابتزاز. إنها، في جوهرها، حركة لإنقاذ كرامة الإنسان – شرقاً وغرباً – من براثن آلة استعباد جديدة، ترتدي ثياب التقدم والترفيه، بينما تهدف، في العمق، إلى تحويل العالم إلى سوق كبير، وإنسانها إلى عبد راضٍ. إن نجاح هذه الحركة يتطلب وعياً علمياً منظماً، وتعاوناً مؤسسياً، وإصراراً على أن الحرية الحقيقية تبدأ بقدرتنا على قول "لا" لما يضر بإنسانيتنا، و"نعم" لبناء بديلنا الحضاري المستقل.
/mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
