مقالات

الانسداد الحضاري يجعلنا في قمة الحاجة للمخلص السماوي

*الانسداد الحضاري، يجعلنا في قمة الحاجة الى مخلص سماوي*

 

أعلم أنك مصدوم، وربما تشعر بالغثيان ... فقائمة إبستين ليست مجرد فضيحة سياسية بل "بالوعة مجاري " تراها في النفس البشرية .. حينما تمتلك القوة المطلقة، والمال المطلق، وتظن أنها فوق القانون والمحاسبة. وربما ما قرأته من تفاصيل يفوق خيال أفلام الرعب، التي شاهدناها في سلسلة  "Saw

لكن قبل أن أخوض بك في هذا تعال ياعزيزي نرجع قليلاً بالزمن، ولكن ليس لجزيرة إبستين، بل لقلعة معزولة في جبال الألب، لنفتح صفحات مخطوطة كُتبت عام 1785، وتعتبر أخطر رواية في التاريخ ... لهذاا ياعزيزي الإنسان اديني صبرك شوية وركز معايا  !

 

الرواية هي أيام سدوم المائة والعشرون (The 120 Days of Sodom).. وكاتبها هو الأرستقراطي الفرنسي سيء السمعة (الماركيز دي ساد)، الرجل الذي اشتق علماء النفس من اسمه مصطلح "السادية" 

 

الرواية تحكي عن أربعة رجال يمثلون قمة الهرم في المجتمع الفرنسي وقتها (دوق، وأسقف، وقاضٍ، ومصرفي).. يعني (سلطة، ودين، وقانون، ومال).. تمامًا مثل رواد جزيرة إبستين! هؤلاء الأربعة قرروا أن يحبسوا أنفسهم لمدة 120 يومًا في قلعة معزولة لا يمكن الوصول إليها، وأخذوا معهم مجموعة من المراهقين والفتيات قسرًا في هذه القلعة، سقطت الحضارة.. سقط القانون .. وسقط الدين تحول هؤلاء "النخبة" إلى وحوش تمارس أبشع أنواع التعذيب والانتهاك الجنسي والقتل البطيء، فقط لأنهم "يستطيعون" ... دي ساد  حين كتب .. لم يكتب خيالاً محضًا.. هو كان يصرخ بحقيقة مرعبة: "عندما يمتلك الإنسان السلطة المطلقة في مكان معزول عن أعين الناس، فإن الوحش الكامن داخله يستيقظ ليفترس كل شيء ! 

 

لكن لماذا صديقي الإنسان ..لماذا يفعل رجل يملك المليارات، ويحكم العالم بقراراته، أفعالاً بهذا الانحطاط؟ لماذا لا يكتفون بالملذات الطبيعية المتاحة لهم بلا حدود؟

 

دعني آخذك قليلًا إلى كتاب مهم يحكي لك عن سيكولوجية هؤلاء القوم .. لنفهم كيف يتحول "الإنسان" إلى "مسخ" هذا الكتاب هو "تأثير لوسيفر" (The Lucifer Effect) لعالم النفس الشهير فيليب زيمباردو، صاحب تجربة سجن ستانفورد الشهيرة ... زيمباردو في هذا الكتاب يطرح نظرية مخيفة تقول: الشر ليس دائمًا "صفة أصيلة" في الشخص.. الشر هو نتاج البيئة والسلطة  عندما تضع إنسانًا في بيئة تمنحه سلطة مطلقة (مثل جزيرة إبستين أو قلعة دي ساد)، وتنزع عنه المحاسبة، وتوفر له سرية تامة.. فإن الدوائر العصبية المسؤولة عن التعاطف في مخه تنطفئ تدريجيًا، ويستيقظ الجانب المظلم ... 

 

لكن هذا ليس كل شيء ياعزيزي .. فهناك فصل آخر في كتاب النفس البشرية يفسر هذا السعار الجنسي والوحشي، وهو يعتمد على ميكانيزمات عصبية دقيقة

يسميها العلماء .... لعنة "تسامح الدوبامين" (Dopamine Tolerance) أو  ملل الآلهة....

 

في علم النفس العصبي، هناك قانون يحكمنا جميعًا: "الدماغ يعتاد المحفزات ... أنت حين تشتري سيارة جديدة، تطير فرحًا.. بعد شهر، تصبح عادية. هؤلاء القوم يا صديقي (المليارديرات والنخبة) وصلوا لمرحلة التشبع التام..  أكلوا أفخر طعام، ركبوا أغلى طائرات، امتلكوا كل ما يمكن شراؤه.. فماتت عندهم "المتعة الطبيعية". أصابهم ما يسميه العلماء "ملل السلطة " (Anhedonia of Power)  الدوبامين لم يعد يُفرز بالأشياء المباحة.. وهنا تبدأ الكارثة: البحث عن النشوة القصوى (The Ultimate High).... العقل المريض يبدأ يبحث عن كسر التابو.. عن المستحيل.. عن المحرم دولياً وأخلاقيًا.. 

 

لكن ياعزيزي ... لماذا الأطفال؟ ولماذا العنف؟

لأن هذا ببساطة  هو "الخط الأحمر" الوحيد الباقي.. وكسره يعطيهم دفقًا شعوريًا بأنهم فوق البشر، وأن قوانين القطيع (نحن) لا تسري عليهم. هم لا يبحثون عن الجنس.. هم يبحثون عن "نشوة انتهاك القانون الإلهي ... 

 

وأذكر هنا ياصديقي ما حكاه لي بعض الأصدقاء عن عادة رومانية تتعلق بالطعام.. تُرى ما هي وما علاقتها بهؤلاء القوم ... 

 

كان نبلاء الرومان في عصور الانحطاط، يجلسون على موائد عليها ما لا عين رأت من الطعام.. يأكلون بشراهة حتى تمتلئ بطونهم تماماً.. ثم ماذا؟ هل يكتفون؟ لا.. كانوا يذهبون إلى غرف خاصة ليتقيأوا عمدًا (Self-induced Vomiting) ثم يعودون للمائدة ليأكلوا مرة أخرى!

 

والسؤال هنا: هل كانوا جائعين؟ قطعًا لا.. هم كانوا يبحثون عن (لذة الاستهلاك) المستمر.. كانوا يحاولون قهر (الحدود البيولوجية) للشبع. كانت مشكلتهم أن المعدة تمتلئ بسرعة، بينما الرغبة لا تمتلئ أبدًا.. فكان الحل هو التقيؤ  للاستمرار في الأكل ... هل تلاحظ الرابطة ياعزيزي ...

 

هذا بالضبط ياعزيزي، وبالحرف الواحد، ما يفعله هؤلاء القوم في غرف النوم والجزيرة.. هم لا يبحثون عن إشباع غريزة (لأنهم شبعوا من الطبيعي).. هم يتقيأون إنسانيتهم ليعودوا ليلتهموا براءة جديدة .... هم يحاولون ملء "ثقب أسود" في أرواحهم لا يمتلئ أبداً، فيلجأون لـ الكمية والتطرف والوحشية لعلهم يشعرون بشيء .... لكن هل تحسبني أنتهيت هنا ... صبرًا ياصديقي وسامحني على الإطالة 

 

في كتاب "قوة الإيذاء"، هناك مصطلح اسمه عقدة التشييء (Reification): هؤلاء القوم لا يرون الضحايا كبشر... لهم أرواح ومشاعر وأمهات.. هم يرونهم كـ أشياء (Objects).. تمامًا مثل قطعة اللحم عند الرومان، أو السيارة الفارهة بالنسبة لهم، فالعالم كله رقعة شطرنج يحركونها.. وفي تلك الغرف المغلقة، هم يمارسون تشييء البشر في أبشع صوره. وممارسة الوحشية مع قاصر أو شخص مستضعف لا علاقة لها بالشهوة الجنسية، بل لها علاقة بـ إرادة القوة (Will to Power). هو يريد أن يشعر أنه إله أرضي (حاشا لله) يملك حق الألم، وحق المصير، وحق انتهاك براءة كائن آخر دون أن يجرؤ أحد على إيقافه... 

 

قائمة إبستين، ورواية الماركيز دي ساد، وموائد الرومان.. كلها ياصديقي الإنسان  تخبرنا بحقيقة واحدة مخيفة ...  الإنسان حين يمتلك المال المطلق والسلطة المطلقة، ويزيل من قلبه خوف الله، لا يتحول إلى ملاك.. بل يتحول إلى شيطان يبحث عن المتعة في أنين الآخرين ...

 

هؤلاء ليسوا مجرد منحرفين.. هؤلاء أناس حدقوا في هاوية شهواتهم طويلاً، حتى ابتلعتهم الهاوية...  وكما قال نيتشه: "إذا حدقت طويلاً في الهاوية، فإن الهاوية ستحدق فيك أيضًا ..ولكن قبل أن أختم يا صديقي، دعني أخبرك عن تصور الإسلام.. فالإسلام لم ينتظر "فرويد" ولا "زيمباردو" ليشرح لنا هذه الظاهرة، بل لخص هذه المأساة النفسية كلها في آية واحدة، مكونة من ٧ كلمات فقط، لكنها تزن مجلدات من علم النفس: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَآهُ اسْتَغْنَىٰ}

 

القرآن ياصديقي يضع يده على الجذر.. الإنسان لا يطغى (أي يتجاوز حده ويتحول لوحش) لأنه شرير بالفطرة.. بل يطغى في لحظة واحدة محددة: (أن رآه استغنى).... لحظة شعوره بـ الاستغناء.. حين يملك المال الذي يشتري به كل شيء، والسلطة التي تحميه من كل شيء.. حين يشعر أنه لم يعد بحاجة إلى الله، ولا إلى الناس، ولا إلى القانون... . في لحظة الوهم هذه.. يقرر الإنسان أن يخلع عباءة العبودية ويرتدي رداء الربوبية (الكبرياء والعظمة).. وهذا الرداء لا يصلح له، فيحترق به ويحرق من حوله ...

 

الإسلام يخبرنا أن النفس البشرية إذا تُركت بلا لجام (تقوى ومراقبة)، فإنها لا تقف عند حد.. بل تنحدر إلى مستوى يصفه القرآن وصفاً مرعباً: {أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} لماذا قال أضل (أي أسوأ من الأنعام)؟ لأن الحيوان يقتل ليأكل، ويمارس الجنس ليتكاثر (غريزة لها هدف).. أما هؤلاء النخبة، فهم يقتلون للمتعة، وينتهكون البراءة للتسلية.. فهم نزلوا لدركٍ تترفع عنه البهائم!

 

وهنا تكمن عظمة الحدود في الإسلام.. الناس تظن أن الحلال والحرام قيود تكبت الحرية.. لكن الحقيقة يا صديقي أن الحدود هي سياج الأمان الذي يمنعك من السقوط في الهاوية... الله وضع لك حدودًا  في المال، وفي الجنس، وفي السلطة.. ليس ليحرمك من المتعة، بل ليحمي إنسانيتك من التوحش.... لأنك بلا حدود.. ستتحول إلى ثقب أسود يبتلع كل شيء ولا يمتلئ أبدًًا ....  وصدق الله إذ يقول " وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ !

يومك جميل أيها الإنسان.

*[ كلا إن الإنسان ليطغى .. أن رآه استغنى ] ..*

 

https://mohammadabbaskawrani.com

#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة

https://t.me/M_Civilization  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية