آفاق ومصابيح

في حياد لبنان، عودة الى النموذج السويسري

في حياد لبنان: عودة إلى النموذج السويسري

حسام أبو حمدان

الأربعاء 20 أيار 2026

يعود الحديث عن «حياد لبنان» في كل منعطف أزمة، كأنه طوق نجاة يُلقى في بحر هائج. لكنّ ثمّة سؤالاً يسبق كل نقاش: كيف يكون الحياد الخارجي خياراً استراتيجياً لدولة في ظل نزاع مفتوح مع إسرائيل التي لا تلتزم بحدود وعهود ومواثيق وأعراف وقوانين دولية؟ وكيف يُقرأ هذا الخيار في ظل مخاوف لبنانية تاريخية متجذّرة تتعلّق بالحدود والموارد والسيادة؟

 

ربما حنيناً إلى مقولة «لبنان سويسرا الشرق»، يُذكر النموذج السويسري مرجعاً للحياد الناجح في الأدبيات السياسية اللبنانية. تعود هذه المقارنة إلى التشابه في التركيبة التعدّدية ونظام الديمقراطية التوافقية المُعتمد في البلدين، كما في دول أوروبية أخرى كالنمسا وبلجيكا وهولندا، علماً أن نجاح النموذج السويسري يعود إلى عاملين أساسيين، أولهما داخلي والآخر خارجي:

 

(1) داخلياً، وبعد صراعات داخلية مريرة، أنجزت سويسرا، بنخبها السياسية، ما يشبه المصالحة الداخلية واعتمدت الديمقراطية التوافقية. هذا النوع من الديمقراطية، نظّر له عالم السياسة الهولندي الأميركي أرند ليبهارت وهو يقوم على أربع ركائز جوهرية: الحكومة الائتلافية الكبرى، حق النقض المتبادل (الفيتو)، النسبية في التمثيل والاستقلالية الذاتية لكل مجموعة في شؤونها الداخلية. وقد اشترط ليبهارت لنجاح النموذج توافر نخب سياسية تتحلّى بالمسؤولية الوطنية وترتفع فوق انتماءاتها الطائفية. واعتبر الحياد الخارجي عاملاً مساعداً حيث إن التدخلات الخارجية غالباً ما تُفسِد التوافق الداخلي.

 

(2) أمّا خارجياً، فالحياد السويسري له ظروفه، ففي أعقاب الحروب النابليونية، أقرّ مؤتمر فيينا في 20 آذار 1815 الاعترافَ الرسمي الدولي بحياد سويسرا الدائم. جاء هذا الإِعلان استجابة لأسباب استراتيجية بحتة لدى القوى الكبرى: فسويسرا المحايدة شكّلت منطقةً عازلةً استراتيجية بين فرنسا والنمسا وبروسيا، ما خدم توازن القوى في أُوروبا أَكثر مِمّا عكس دوافع أَخلاقية خالِصة. في الحرب العالمية الثانية، لم يكن حيادها موقفاً سلبياً، بل كان دفاعياً صلباً تجلّى في عقيدة «القلعة الوطنية»، فحشدت 850 ألف جندي في بلد بلغ تعداد سكانه وقتها 4,3 ملايين نسمة.

 

الحياد السويسري لم يكن إعلاناً وُلد في فراغ، بل نتيجة تضافر ثلاثة عوامل: إرادة داخلية، دولة قوية واعتراف دولي

 

إذاً، الحياد السويسري لم يكن إعلاناً وُلد في فراغ، بل نتيجة تضافر ثلاثة عوامل: إرادة داخلية، دولة قوية واعتراف دولي.

يبدو لبنان للوهلة الأولى نموذجاً للديمقراطية التوافقية، فالميثاق الوطني عام 1943 واتفاق الطائف عام 1989 يجسّدان روح هذه الديمقراطية في توزيع المناصب والمشاركة في الحكم. ولكن تحوَّلَ النظام من آلية لإدارة التنوّع وصون السلم الأهلي، إلى نظام محاصصة يُكرِّس الانقسام ويُشرعن التدخّل الخارجي. وأصبحت القوى السياسية امتداداً لمحاور إقليمية.

 

كما أنّ لبنان لم يولد كدولة حيادية بالمعنى القانوني، لكنه قام على نوع من التوازن الدقيق، تجسّد في صيغة «النأي بالنفس» غير المُعلنة. إلا أن هذا «الحياد الضمني» سرعان ما تآكل تحت وطأة الصراعات الإقليمية. ليتحوّل لبنان تدريجياً إلى ساحة تقاطع نفوذ القوى الخارجية.

 

بعد سنوات قليلة من الاستقلال، انفجرت أزمة 1958، بعد دخول الرئيس كميل شمعون في حلف بغداد؛ أسهمت التسوية بين جمال عبد الناصر والولايات المتحدة في إعادة الاستقرار وانتخاب فؤاد شهاب رئيساً. في أواخر الستينيات، تبدّلت موازين القوى الإقليمية وتراجعت أدوار بعض الرعاة الدوليين (خاصة فرنسا) ودخول الولايات المتحدة إلى المنطقة، اختلّ التوازن اللبناني تدريجياً، ما مهّد لانفجار الحرب الأهلية لاحقاً. وكذلك جاء اتفاق الطائف نتيجة توافق إقليمي-دولي أنهى الحرب الأهلية. وهذا يؤكد أن استقرار لبنان لم يكن يوماً معزولاً عن محيطه.

 

وفوق كل هذه التعقيدات الداخلية، يطرح الصراع المُزمن مع الكيان الإسرائيلي إشكالية وجودية لا يمكن لأي مشروع حيادٍ لبناني أن يتجاوزها. والحياد قانوناً يفترض دولةً ذات سيادة كاملة على أراضيها. وهذا يعني أن على الدولة أن تبني مؤسّسات تفرض سيادتها فعلياً. الحياد هنا لا يعني استسلاماً ولا فراغاً. بل يفترض دولة تمتلك قدرة دفاعية ذات مصداقية. لذلك يبقى النقاش ناقصاً ما لم يُطرح ملف السلاح والجيش والاستراتيجية الدفاعية بوضوح.

 

ويبقى السؤال: مَن يطرح الحياد، ولماذا الآن؟ تختبئ خلف شعار «الحياد» مقاربات مختلفة: الأولى مقاربة وطنية صادقة ترى في الحياد مخرجاً من الاستقطاب المُزمن وحمايةً للمصلحة اللبنانية العليا. والثانية مقاربة براغماتية تسعى إلى تحييد لبنان بوصفه ورقةً تفاوضية في مساومات إقليمية أكبر. والثالثة، وهي الأخطر، توظّف الحياد كأداة لإعادة رسم موازين القوى الداخلية. لذا، فإنّ السؤال الحقيقي ليس «هل نريد الحياد؟» بل: حياد مَن، وعلى حساب مَن؟ وهل من العقلانية طرحه في هذا الظرف الذي تشتعل فيه المنطقة؟

 

في إقليم يرقد فوق فوالق زلزالية جيوستراتيجية وتصدّعات هائلة، يبدو الحياد شبه مستحيل. هذا لا يعني ألَّا يعمل لبنان على هذا المسار الذي يبدأ بإصلاح داخلي وبناء دولة قادرة، بانتظار نضوج ظروف دولية مُهيِّئة للاعتراف به. عدا ذلك، يبقى رهاناً على تفاهمات من الجالسين خلف طاولات النفوذ والمصالح الكبرى، تحكمها المصالح لا الاعتبارات الأخلاقية.

في النهاية، قد لا يكون السؤال ما إذا كان لبنان قادراً على أن يصبح دولة محايدة، بل ما إذا كان طرح الحياد اليوم، وسط إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، قد يتحوّل بدوره إلى عامل تفجير داخلي جديد.

 

* طبيب وأستاذ جامعي