مقالات

علميا، في الحروب، من يخسر ايمانه اولا

علمياً في الحروب، من يخسر ايمانه اولا

 

محمد كوراني

في جنوب لبنان، عندما نرى بعض الشباب يصمدون أمام القصف و الصواريخ الذكية و الطيران المروحي و الحربي و من ثم يتم تهديم كل منازلهم و مواقعهم و كل سقف ممكن ان يحتموا تحته و رغم ذلك يخرجون من تحت الارض والشجر والصخر والنبات و يهاجمون اعدائهم بشتى الاسلحة المتاحة وغير المتاحة و بل باسنانهم و اظافرهم، في المقابل نجد البعض الآخر يجلسون في اماكن آمنة، و يتسامرون مع بعض و يتنعمون بنعمة الآمن والأمان و من ثم ينتقدون و يشتمون و يحتقرون هؤلاء المجاهدين بسبب ما يفعله العدو المتوحش المجنون، فعلميا بحسب علم النفس كيف يمكن تفسير هذا الظاهرة و من هم الأشخاص الأكثر عرضة لخسارة العقيدة والإيمان والاندفاع عند الأزمات والتحولات الكبرى؟

*قراءة نفسية واجتماعية وفكرية لتراجع القيم*

*عبر التاريخ، كانت الحروب، والانهيارات الاقتصادية، والتحولات السياسية، والهزائم العسكرية، من أعنف الاختبارات التي يتعرض لها الإنسان.* ففي لحظات الاستقرار يبدو كثيرون ثابتين في أفكارهم وعقائدهم، لكنّ الأزمات تكشف البنية النفسية العميقة للأفراد والجماعات. بعض الناس يزدادون صلابة وإيمانًا، وبعضهم ينهار نفسيًا وفكريًا، فيفقد اندفاعه، ويتخلى عن مبادئه، بل أحيانًا ينقلب على ما كان يؤمن به سابقًا.

علم النفس لا يفسّر هذا بوصفه “خيانة” فقط، بل يراه نتيجة تفاعل معقّد بين الشخصية، والبنية النفسية، والخبرات السابقة، والقدرة على تحمّل الصدمات، وطريقة فهم الإنسان لمعنى الحياة والمعاناة.

 

*أولًا: الإنسان في الأزمات… لماذا يتغيّر؟*

في الظروف الطبيعية، يعيش الإنسان ضمن شبكة من:

الأمان الاجتماعي

الروتين اليومي

الجماعة الداعمة

الصورة المستقرة عن المستقبل

لكن عند:

الانهيارات الاقتصادية

الحروب والهزائم

فقدان السلطة أو النفوذ

الخذلان الجماعي

انهيار الرموز والقادة

الشعور بالحصار أو الإذلال

يدخل الإنسان في حالة تُسمّى في علم النفس:

“التهديد الوجودي”

أي شعور داخلي بأن العالم الذي كان يفهمه قد انهار.

وهنا تبدأ الاختبارات الحقيقية للعقيدة والانتماء والإيمان.

 

*ثانيًا: الشخصيات الأكثر عرضة لفقدان العقيدة أو الإيمان*

*1. الشخصية النفعية (Pragmatic / Opportunistic Personality)*

هذه الشخصية لا ترتبط بالمبدأ لذاته، بل بالفائدة الناتجة عنه.

صفاتها:

تؤمن عندما تكون العقيدة مصدر قوة أو مصلحة

تربط الإيمان بالنجاح الدنيوي

تتبع “المنتصر”

تبحث عن الأمان والمكاسب

تتبدّل بسرعة مع تغيّر موازين القوى

ماذا يحدث لها أثناء الأزمات؟

إذا خسرت جماعتها الحرب أو النفوذ أو المال:

تبدأ بالشك

تشعر أن العقيدة “لم تعد نافعة”

تنتقل تدريجيًا لمعسكر آخر

تعيد تفسير الماضي لتبرير الانقلاب

التفسير النفسي:

هذه الشخصية لم تبنِ هويتها على القناعة العميقة، بل على المنفعة والانتماء الاجتماعي.

*2. الشخصية الهشّة نفسيًا (Fragile Personality)*

صفاتها:

حساسية مرتفعة

خوف داخلي كبير

ضعف تحمل الضغوط

قلق مزمن

اعتماد نفسي على الاستقرار الخارجي

عند الصدمات:

تنهار قدرتها على الصبر والتحمّل، فتدخل في:

اليأس

الإحباط

الانسحاب

فقدان المعنى

ثم تبدأ بالتخلي عن:

الحماسة

الالتزام

العقيدة أحيانًا

في علم النفس:

يُسمّى هذا أحيانًا:

“الانهيار تحت الضغط المزمن”

فالإنسان إذا استُنزف طويلًا دون دعم نفسي وروحي قد يفقد قدرته على المقاومة الداخلية.

*3. الشخصية ذات الإيمان العاطفي فقط*

بعض الناس يبنون إيمانهم على:

الحماس

المشاعر الجماعية

الانتصارات

الخطابات التعبوية

الأجواء الدينية أو الثورية

لكن دون:

معرفة عميقة

بناء فكري

تجربة روحية ثابتة

ماذا يحدث عند الهزيمة؟

ينهار البناء العاطفي بسرعة.

لأن إيمانه كان مرتبطًا بـ:

الشعور بالقوة

النشوة الجماعية

صورة “النصر الدائم”

فإذا جاءت الانتكاسة:

يشعر بالخداع

ينهار حماسه

يتحول أحيانًا إلى نقيض سابقه

هذه الظاهرة معروفة نفسيًا باسم:

“الاعتماد الانفعالي على الجماعة”

*4. الشخصية ذات التعلّق المفرط بالرموز البشرية*

بعض الناس لا يربطون العقيدة بالمبدأ، بل بالأشخاص:

قائد

حزب

رجل دين

زعيم

جماعة

المشكلة:

إذا سقط الرمز أو أخطأ أو هُزم: ينهار الإيمان كله.

في علم النفس الاجتماعي:

يسمّى هذا:

“الاندماج الهويّاتي غير الناضج”

أي أن الشخص لم يكوّن ذاتًا مستقلة، بل ذاب نفسيًا داخل الرمز.

*5. الشخصية المادية الاستهلاكية*

صفاتها:

تقديس الراحة

الخوف من الخسارة

تعظيم اللذة والرفاه

ضعف الاستعداد للتضحية

عند الأزمات:

إذا أصبحت العقيدة مكلفة:

اقتصاديًا

اجتماعيًا

أمنيًا

فإنه يتراجع تدريجيًا.

لماذا؟

لأن القيمة العليا لديه ليست الحقيقة أو الرسالة، بل:

“الراحة الشخصية”

 

*ثالثًا: ما الصفات التي تساعد على الثبات رغم الأزمات؟*

علم النفس يلاحظ أن الأشخاص الأكثر ثباتًا غالبًا يمتلكون:

1. المعنى العميق للحياة

أي أن الإنسان يرى نفسه صاحب رسالة، لا مجرد مستفيد مؤقت.

2. القدرة على تحمّل الألم

وهذا ما يسمّى:

“المرونة النفسية” (Resilience)

وهي القدرة على الاستمرار رغم الخسائر.

3. الإيمان المبني على المعرفة لا الانفعال فقط

فالفكر العميق أكثر ثباتًا من الحماس المؤقت.

4. الواقعية

أي فهم أن:

الحياة فيها انتصارات وهزائم

الجماعات البشرية تخطئ

الطريق الطويل مليء بالتعقيدات

5. الاستقلال النفسي

أي ألا يذوب الإنسان بالكامل في الجماعة أو القائد.

6. التوازن الروحي والنفسي

مثل:

الصبر

العبادة

التأمل

العلاقات الإنسانية الداعمة

القدرة على التعبير عن الألم بدل كتمانه

خامسًا: كيف تستغل الأنظمة والحروب هذه النقاط النفسية؟

في الحروب النفسية والإعلامية، يتم التركيز غالبًا على:

نشر اليأس

تضخيم الخسائر

كسر صورة المستقبل

إحداث الإرباك العقائدي

ضرب الثقة بالرموز

إشعار الناس بأن التضحيات بلا معنى

لأن الهدف الحقيقي أحيانًا ليس الهزيمة العسكرية فقط، بل:

“إطفاء الإرادة الداخلية”

 

خاتمة

الأزمات الكبرى تعمل كاشفًا نفسيًا عميقًا للإنسان.

فهي تُظهر:

من كان إيمانه مبنيًا على المصلحة

ومن كان إيمانه مبنيًا على العاطفة المؤقتة

ومن كان ثابتًا على قناعة ومعنى داخلي

وفي علم النفس، الثبات الحقيقي لا يعني غياب الألم أو الشك أو التعب، بل يعني قدرة الإنسان على مواصلة الطريق رغم الانكسارات، دون أن يفقد هويته العميقة أو يتحول إلى نقيض ذاته بالكامل.

ولهذا كانت الأزمات عبر التاريخ ليست فقط صراعًا على الأرض والسياسة، بل أيضًا:

صراعًا على النفس البشرية نفسها.

 

https://mohammadabbaskawrani.com

#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة

https://t.me/M_Civilization  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية