
*مهندس البرمجيات: الموظف الذي لا تتذكره المؤسسات العسكرية إلا عند تعطل الإنترنت!*
في كثير من المؤسسات العسكرية، يوجد سلم غير معلن للمكانة الاجتماعية. في قمته اصحاب العناوين و النياشين والعضلات والمحاضر ومدير العلاقات العامة. أما في أسفله، ففي زاوية بعيدة، يجلس مهندس البرمجيات أو موظف تقنية المعلومات، ذلك الكائن الغامض الذي لا يُستدعى إلا عندما تتوقف الطابعة أو يختفي البريد الإلكتروني أو يتعطل البث المباشر.
المفارقة أن المؤسسة نفسها أصبحت تعتمد على التكنولوجيا في كل شيء تقريبًا: مواقعها الإلكترونية، أرشيفها، أنظمتها المالية، بثها الإعلامي، قواعد بياناتها، تواصلها الجماهيري، وحتى صورتها أمام العالم. ومع ذلك، يبقى من يبني هذه المنظومة ويصونها في نظر البعض مجرد "فني كمبيوتر".
عندما ينجح الخطيب في إيصال محاضرته إلى مئة ألف مشاهد، تُنسب النجاحات إلى البلاغة والفكر. أما الخوادم التي عملت، والشبكات التي صمدت، والبرمجيات التي أدارت البث، والساعات الطويلة التي أمضاها المهندس في الإعداد والاختبار، فتختفي كلها خلف الستار.
بعض المؤسسات العسكرية ما زالت أسيرة ثقافة قديمة تعتبر العلوم الشرعية هي العلم الحقيقي الوحيد، وما عداها مجرد أدوات ثانوية. لكن العالم تغيّر. فالمعرفة لم تعد محصورة في الكتب الصفراء أو المنابر التقليدية. اليوم أصبحت البرمجيات لغة الحضارة الجديدة، وأصبح مهندس البرمجيات أحد البنّائين الحقيقيين للعالم المعاصر.
المؤلم أن بعض الإدارات لا تتردد في صرف عشرات آلاف الدولارات على المظاهر والاحتفالات والديكورات، لكنها تتردد طويلًا قبل تحسين راتب مهندس يحمي بيانات المؤسسة ويمنع انهيار أنظمتها و يخترع اجهزة و يكتشف انظمة وكأن فقدان قاعدة البيانات أقل خطورة من تبديل ستائر قاعة الاجتماعات.
إن النظرة الدونية إلى أهل التكنولوجيا ليست ظلمًا لأشخاص فحسب، بل هي علامة على خلل في فهم طبيعة العصر. فالمؤسسة التي لا تحترم المعرفة التقنية ستجد نفسها عاجلًا أو آجلًا مستهلكة لما يصنعه الآخرون، عاجزة عن المنافسة، متأخرة عن ركب التأثير.
لقد كان العالم في العصور الماضية حارس المعرفة. أما اليوم فهناك حراس جدد للمعرفة: المبرمجون، ومهندسو البيانات، وخبراء الذكاء الاصطناعي، ومهندسو الأمن السيبراني. ومن لا يدرك قيمة هؤلاء، سيكتشف متأخرًا أنه كان يحتقر من يحمل مفاتيح المستقبل.
المؤسسة الحكيمة لا تسأل: "كم يحفظ هذا المهندس من المتون؟" بل تسأل: "كم مشروعًا بنى؟ وكم مشكلة حلّ؟ وكم بابًا فتح أمام الناس؟"
فالنهضة لا يصنعها الوعظ وحده، كما لا يصنعها الكود وحده. وإنما يصنعها احترام جميع أشكال المعرفة النافعة، وإعطاء كل ذي اختصاص مكانته التي يستحقها.
*اصحاب العضلات و العشيرة عندما يستعظم اعطاء راتب مناسب لموظفي البرمجة و مهندسي الحواسيب، يكون هو السبب وراء مجزرة البايجر والاسبايكر وليس العدو.*
