
*أكثر المعتقدات أمتناعا ضد الإحتيال وخداع النفس* مهدي كوراني
يمتلك العقل البشري قدرة فريدة على الاحتيال، ليست مجرد أداة للبقاء، بل آلية نفسية معقدة تتيح للإنسان تبرير أفعاله، وتشويه حقائقه، وحتى خداع نفسه قبل الآخرين. هذه القدرة تتدرج من الاحتيال الفردي إلى الاحتيال الجماعي، مروراً بالأنظمة السياسية ووسائل الإعلام، لتشكل نسيجاً معقداً من "الحقائق المُصنَّعة" التي نعيش فيها.
أولاً: سيكولوجية الاحتيال.. من الفرد إلى النظام
1. الاحتيال الفردي: نماذج من الخداع الذاتي
يبدأ الاحتيال من الداخل، حيث يمارس الإنسان أشدّ أنواع الخداع: خداع نفسه. في علم النفس، يُعرف هذا بـ"التنافر المعرفي" (Cognitive Dissonance)، حيث يُعيد العقل تشكيل الحقائق لتتوافق مع رغباته. مثال ذلك:
· المدخن الذي يعرف أضرار التدخين لكنه يبرر استمراره بـ"الضغوط النفسية" أو "قصر العمر".
· الموظف الفاسد الذي يرى رشوته "هدية" أو "حقاً مكتسباً" في ظل فساد المدير.
· الشخص الخائن الذي يعيد كتابة تاريخ علاقته ليُظهر نفسه ضحية.
لا يصح محاربة الفساد و اموالنا ناتجة عن الفساد ولا يمكن وعظ الاخرين و استثماراتنا في دبي والامارات و لا يمكن نصيحة العائلات و اولادنا في الرخاء و في جزر الترفيه ولا يمكن نقد دول العظمى وأولاد و عيالنا يتنعمون هناك و ...
هذا النوع من الاحتيال على النفس هو الأكثر خطورة، لأنه يُدمّر بوصلتنا الأخلاقية من الداخل، ويجعلنا نصدق أكاذيبنا قبل أن نُصدّقها للآخرين.
2. الاحتيال الجماعي: تحريف الحقائق
عندما يتشارك مجموعة في وهم ما، يتحول الخداع الفردي إلى "حقيقة اجتماعية". نرى ذلك في:
· الأساطير المؤسسة التي تُعاد صياغتها لخدمة مصالح الجماعة.
· إنكار الماضي الجماعي كما في محاولات طمس جرائم تاريخية.
· الهوية المُختلَقة التي تُبنى على روايات مُنتقاة.
علم النفس الاجتماعي يشرح هذه الظاهرة بـ"التفكير الجماعي" (Groupthink)، حيث تُصبح الحقيقة ما يوافق إجماع المجموعة، لا ما يتوافق مع الواقع.
3. احتيال الأنظمة السياسية: تحريف الوقائع
الأنظمة السياسية تتفوق في هندسة الاحتيال، حيث تُحوّل الوقائع إلى أدوات شرعية. أمثلة:
· تزييف التاريخ لخدمة رواية السلطة.
· تغيير معاني المفاهيم (مثل تحويل "الديمقراطية" إلى استبداد، و"الحرية" إلى فوضى).
· صنع أعداء وهميين لتوحيد الصفوف وتبرير القمع.
في علم النفس السياسي، يُسمى هذا "هندسة الموافقة" (Manufacturing Consent)، حيث يُصبح المواطن ضحية لحقيقة مُصنَّعة لا يملك أدوات نقدها.
4. الاحتيال الإعلامي المهيمن: تشكيل القيم
الإعلام المعاصر هو ذروة الاحتيال المنظّم، حيث:
· تحويل القيم إلى سلع (العدالة تصبح "محتوى"، والكرامة تصبح "صورة").
· خلق واقع افتراضي يُبقي الجمهور في حالة من التشتت والاستهلاك.
· تطبيع الانحرافات عبر التكرار الإعلامي، حتى تصبح الشاذات قيماً جديدة.
هذا النوع من الاحتيال يُخترق العقل الباطن، ويُعيد برمجة الأخلاقيات دون أن نشعر.
ثانياً: التشيع ... منظومة الامتناع عن الاحتيال
بعد استعراض قدرة الإنسان على الاحتيال في كل مستوياته، نصل إلى السؤال الجوهري: هل ثمة منظومة فكرية وعملية تُحصّن الإنسان ضد هذه القدرة، وتُجرده من آليات الخداع الذاتي والجماعي؟
هنا يأتي دور المذهب الشيعي ، الذي يقدّم نموذجاً فريداً في الامتناع عن الاحتيال، ليس بالقمع أو التخويف، بل ببناء ملكات نفسية وروحية تُعطّل آليات الخداع من جذورها و تكشف مكامن خداع النفس.
1. محاربة النفس: تفكيك وهم الأنا
أولى مراحل الامتناع عن الاحتيال هي محاربة "الأنا" التي هي مصدر كل خداع. ففي علم النفس، الأنا هي التي تُبرر، تُلوي، وتُخفي. أما في المنظومة الشيعية العرفانية، فمحاربة النفس ليست شعاراً، بل ممارسة يومية:
· مراقبة النوايا قبل الأفعال.
· محاسبة النفس بعد كل عمل.
· كشف حيل النفس التي تتخفى خلف أقنعة الفضيلة.
هذه الممارسات تُضعف تدريجياً قدرة الإنسان على خداع نفسه، لأنها تُعرّيه أمام مرآة الحقيقة.
2. مجاهدة الهوى: تفكيك آليات الرغبة
الهوى هو ذلك الصوت الداخلي الذي يُزيّن الخطأ، ويُحوّل الاحتيال إلى رغبة مشروعة. مجاهدة الهوى في الفكر الشيعي ليست كبتاً، بل:
· تربية الرغبات وتوجيهها نحو الكمال.
· كشف تلبيسات الهوى التي تتخفى بصورة العقل.
· تدريب الإرادة على مقاومة الإغراء الفوري مقابل الفضيلة الأبدية.
هذا التدريب يُنتج إنساناً يُحصّن نفسه ضد أضعف أنواع الاحتيال: احتيال الرغبة، خداع النفس.
3. ملكة التقوى: الرادار الداخلي للحقيقة
التقوى في المنظومة الفكرية الشيعية ليست خوفاً، بل "ملكة" أو مهارة نفسية راقية، هي القدرة على:
· تمييز الحق من الباطل في أشدّ حالات الالتباس.
· الشعور بالرقابة الذاتية حتى في غياب رقيب خارجي.
· ترجيح الثبات على المتغير، أي تثبيت المبادئ مقابل تقلبات المصالح.
هذه الملكة تُفكّك آلية الاحتيال لأنها تُعطّل الشرط الأساسي للخداع: غياب الرقيب.
4. آليات العرفان لمحاسبة النفس: معرفة الذات و مساعدة الاستاذ
التشيع العرفاني من خلال آلياته لكشف الحقيقة وبمساعدة استاذ واجد للشرايط من الواصلين والكملين، يبني اليقين عبر مراحل ثلاث:
· علم اليقين (المعرفة النظرية).
· عين اليقين (المعرفة بالشهود والمشاهدة).
· حق اليقين (المعرفة بالوجود والتحقق).
هذا التدرج يُحصن ضد الاحتيال، لأن الاحتيال يعيش في منطقة "الشك"، أو في منطقة "العلم المنفصل عن التحقق". أما من بلغ "حق اليقين"، فلا مجال للخداع، لأنه يرى الحقيقة بعينها لا بمرآة الأوهام.
5. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: المسؤولية الاجتماعية ضد الاحتيال الجماعي
هذا المبدأ ليس وعظاً، بل نظاماً اجتماعياً يُفكّك الاحتيال الجماعي، لأنه :
· يُلزِم الفرد بمسؤولية تجاه حقيقة الجماعة.
· يُقاوم تحريف المفاهيم عبر النقد المتبادل.
· يُفوّت الفرصة على الأنظمة والإعلام في هندسة الواقع، لأن هناك رقابة أخلاقية نابعة من القاعدة لا من القمة.
6. التضحية: القاطع الجذري للاحتيال
وهنا نصل إلى جوهر الامتناع عن الاحتيال في التشيع: ثقافة التضحية.
أ. التضحية بالمال والنفس
عندما يكون الإنسان مستعداً للتضحية بماله ونفسه، ماذا يبقى ليُخدع لأجله؟ المال هو أداة الاحتيال الأولى، والنفس هي موضوع الخداع الأعمق. من يضحي بهما يكون قد تجاوز أداة الاحتيال وموضوعه معاً.
ب. التضحية الفردية والجماعية
التضحية الفردية تُحرر الإنسان من عبودية الخوف والطمع. أما التضحية الجماعية فتُفكك آلية "الانقياد الجماعي" التي هي أرض خصبة للاحتيال السياسي والإعلامي.
ج. ثقافة الشهادة وبذل النفس
الشهادة في المنظومة الشيعية ليست موتاً، بل:
· تجاوزاً لخوف الموت وهو أكبر رادع ضد قول الحق.
· تحويلاً للقيمة إلى وجود، حيث تُصبح الحقيقة ليست ما يُقال، بل ما يُعاش ويُبذل من أجله.
· نسفاً لمنطق الاحتيال القائم على "البقاء بأي ثمن".
7. عاشوراء وكربلاء: النموذج التام في الامتناع عن الاحتيال
في واقعة كربلاء، قدّم الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه النموذج الأكمل للإنسان المتحرر من الاحتيال بكل مستوياته:
· الاحتيال الفردي: قُوبل بـ"مقاتلة النفس" حين رفض البيعة ليزيد مع علمه بالعواقب.
· الاحتيال الجماعي: قُوبل بـ"مجاهدة الهوى" الجماعي الذي رضي بالذل.
· احتيال النظام السياسي: قُوبل بـ"التضحية" التي فضحت زيف شرعية السلطة.
· احتيال الإعلام (الذي كان آنذاك بلسان خطباء السلطة و علماء البلاط): قُوبل بـ"كشف الحقائق" عبر خطب زينب والسجاد (ع) التي فضحت التحريف الإعلامي بعد المأساة.
في كربلاء، كان هناك من يملك القدرة على الاحتيال للبقاء، لكنه اختار التضحية، ليُثبت أن:
حقيقة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يبذل.
ثالثاً: التشيع.. الأكثر امتناعاً عن الاحتيال والخداع
بناءً على التحليل أعلاه، يمكن إثبات أن المذهب الشيعي العرفاني العملي هو أكثر المذاهب والديانات امتناعاً عن قدرة الاحتيال، وذلك للأسباب التالية:
1. تفعيل الرقابة الذاتية المتعددة:
ليس رقابة واحدة، بل: مراقبة النفس، مجاهدة الهوى، ملكة التقوى، وتدرج اليقين. هذه الأدوات الأربع تُشكّل شبكة أمان نفسية لا يمكن للاحتيال اختراقها.
2. المسؤولية المزدوجة:
فردية (محاربة النفس) واجتماعية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، مما يمنع الاحتيال من التسلل عبر الفرد أو الجماعة.
3. نموذج التضحية الأعلى:
معظم الأديان تعرف التضحية، لكنها غالباً في سياق طقوسي أو فردي. أما في التشيع، فالتضحية هي:
· بنية وجودية، لا مجرد فعل عرضي.
· جماعية وتاريخية، تتجدد في كل عام عبر إحياء عاشوراء.
· تتضمن القائد والتابع، مما يُفكك أي هرمية قد تُوظف للاحتيال، لأن القائد نفسه يُضحّي.
4. تجاوز منطق "الغاية تبرر الوسيلة":
في المنظومة العرفانية الشيعية، الوسيلة جزء من الغاية، بل هي الغاية في آنية التحقق. فلا يمكن استخدام الاحتيال لتحقيق الخير، لأن الاحتيال يُفسد الخير من داخله.
5. نفي الثنائية المزيّفة:
لا يوجد "حقيقة للخاصة وأخرى للعامة"، ولا "سياسة للملك وأخلاق للرعية". بل حقيقة واحدة يتحقق بها الإنسان، ووسيلتها التضحية، لا الخداع.
*الإنسان بين خداع البقاء وصدق الفناء*
لقد أثبت علم النفس أن الإنسان كائن مُحتال بطبعه، وأن قدرته على الاحتيال تتدرج من نفسه إلى مجتمعه إلى أنظمته. لكن القدرة على الاحتيال ليست قدراً محتوماً، بل يمكن تجاوزها ببناء منظومة نفسية - روحية تُعطّل آليات الخداع.
يقدّم التشيع العرفاني العملي، المستلهم من ملحمة كربلاء، النموذج الأكثر تحرراً من الاحتيال. ليس لأنه يمتلك "إجابة" لكل سؤال، بل لأنه يمتلك "موقفاً" من كل احتيال: التضحية. في ثقافة التضحية، يفقد الاحتيال قوته، لأن:
من لا يخاف الموت، لا يخدع لأجل الحياة.
ومن لا يطلب المال، لا يخدع لأجل الغنى.
ومن يرى الحقيقة بعينها، لا يرضى بمرآتها.
في عصر تهيمن فيه قوى الاحتيال بكل أشكاله، تبقى ثقافة عاشوراء شاهداً على إمكانية إنسان آخر: إنسان يُضحي، لا يحتال؛ يبذل، لا يخدع؛ يشهد، لا يشهد زوراً.
وهو ما يجعل التشيع، في جوهره العرفاني العملي، أكثر مذهب ودين تحصيناً للإنسان ضد أخطر أنواع الاحتيال: احتياله على نفسه.
https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
