مقالات

تاريخ : 2026-09-18 22:32 *في زمن يعبد التكنولوجيا، تمسكوا بأهل البيت، سادة الألفية القادمة

*في زمن يعبد التكنولوجيا، تمسكوا بأهل البيت، سادة الألفية القادمة* مهدي كوراني ٢٠٢٦.٠٩.١٢

في عالمٍ يتسارع نحو الآلة، وتتكدس فيه المدن، وتتوهج فيه الشاشات، وتُختزل فيه القيم في أرقامٍ وإحصاءات، يقف الإنسان اليوم أمام سؤالٍ مصيري: هل نعيش لنستهلك، أم خلقنا لرسالة مقدسة؟ هل نملك التكنولوجيا أم هي تملكنا؟ هل نصنع الحضارة أم هي تصنعنا؟ في هذا الزمن بالذات، لا يجب أن ننسى أن أعظم ثورة في التاريخ لم تبدأ بآلة، بل بإنسانٍ يعرف الله.

 

لقد بنى العالم أبراجًا تلامس السحاب، وصنع عقولًا إلكترونية تفكر ضمن الإطار، ووصل الأرض بالسماء عبر موجاتٍ لا تُرى. لكن القلب البشري ما زال يتوق إلى معنى، وإلى نور، وإلى يدٍ إلهية تهديه. وهنا يظهر مشروع أهل البيت سلام الله عليهم، لا كذكرى تاريخية تُروى، بل كمشروعٍ حيّ للإنقاذ، وكمدرسةٍ إلهية تُخرّج الإنسان الذي يجمع بين العقل والقلب، وبين العلم والإيمان، وبين قوة الحضارة وصفاء الروح.

 

إن الإيمان بأهل البيت ليس انفصالًا عن العصر، بل هو تصحيحٌ لمسار العصر. فالتكنولوجيا بلا قيّم تصنع وحوشًا، والعلم بلا ضمير ينتج دمارًا، والحضارة بلا روح تتحول إلى غابةٍ من الصراع والاستهلاك. أما منهج أهل البيت سلام الله عليهم، فهو منهجٌ يُعيد للإنسان كرامته، ويربطه بخالقه، ويجعله سيد المادة لا عبدها.

 

*عقيدتنا… نورٌ في عتمة المادة*

 

نؤمن بأن الأئمة الاثني عشر معصومون من الذنب والخطأ والسهو والنسيان، لا في تبليغ الدين فقط، بل في كل شأنٍ من شؤون الهداية. عصمةٌ ليست حجرًا على العقل، بل ضمانةٌ إلهية لبقاء الدين نقيًا. ونؤمن بأن علمهم واسعٌ وهبه الله لهم، يعلمون ما كان وما يكون، لا استقلالًا عن الله، بل بتعليمٍ منه سبحانه. علمٌ لا يُلغي قدرة الله، بل يُظهرها في عباده المصطفين كرامة لهم و رحمة بنا.

 

ونؤمن أن الإمام ليس مجرد عالمٍ أو قائدٍ سياسي، بل هو حجة الله على خلقه، وجوده ضرورةٌ لاستمرار الهداية، كما أن القرآن والعقل ضرورة. فالأرض لا تخلو من حجة، ولا يستقيم الوجود بدون إمامٍ يهدي إلى الحق.

 

ونؤمن أن الله منحهم ولايةً تكوينية بإذنه، فهم سببٌ من أسباب تدبير الكون، من خلق النور الأول إلى قيام الساعة. ولكن كل ذلك لا يعني أنهم آلهة، بل عبادٌ مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.

 

ونؤمن بالشفاعة العظمى لهم، وهم الوسيلة إلى الله، لا بديلً (✅) عنه. فالتوسل بهم ليس عبادةً لهم، بل هو التوجه إلى الله من خلال أوليائه، كما يُتوجه إلى الملك من خلال بابه. وليس في قول "يا علي" أو "يا حسين" أو "يا صاحب الزمان" أي استقلالٍ عن الله، بل هو استغاثةٌ بمن جعلهم الله واسطةً بينه وبين خلقه.

 

ونؤمن بالإمام الغائب، الموجود منذ أكثر من ألف عام، رغم ان متوسط الحياة اليوم في عصر التكنولوجيا لا يتجاوز (✅) الستين عاما، الذي سيظهر ليملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا. غيبته ليست غيابًا، بل حضورٌ من وراء حجاب، وعيونٌ لا تنام، وقلبٌ ينبض بألم الأمة، ويدٌ تنتظر إذن الله لتتحرك بقوة خيبرية. والانتظار الحقيقي ليس جلسة انتظار، بل حركة إصلاح تحت الرماد، وتهيئة للنفوس في أدغال (✅) التوحش المادي ومجتمعُ (✅) للعدل في إرهاب الدموقراطيات المال وجيوشها الالكترونية.

 

*لا تحويل إلى آلهة… ولا إلغاء للعقل*

 

نعم، نحن نؤمن بهذه العقائد كلها، ولكن بعيدًا عن الغلو الذي يحوّل الأئمة إلى آلهة، وبعيدًا عن التقصير الذي يُسقطهم من مقامهم الذي أكرمهم الله باستحقاق الهي. فكل ما لهم من فضل وعلم وقدرة هو من الله وبإذنه. كما أن كلام الإمام مصدرٌ عظيمٌ للمعرفة، لكنه لا يُلغي العقل ولا التجربة ولا المنهج العلمي. فالمدرسة الإمامية الأصيلة جمعت بين النقل والعقل، وبين الرواية والدراية، وبين التسليم والتفكر.

 

نعم، نُقدّس الروايات الصادرة عنهم، ولكننا لا نُقدّس كل ما نُسب إليهم دون تمحيص. فالنقد الحديثي والأصولي جزءٌ من تراثنا، وليس دخيلًا عليه. ونؤمن أن معرفة كثيرٍ من الأحكام والمعارف لا تُدرك إلا من خلالهم، ولكن هذا لا يعني إغلاق باب العقل والاجتهاد، بل يعني أن العقل السليم يقود إليهم، وأنهم يقودوننا إلى الله.

 

*المحبة ليست شعارًا… بل مسؤولية*

 

محبة أهل البيت ليست مجرد عاطفة، ولا مجرد انتماء. من أحب عليًا فليطلب العدل، ومن أحب الحسين فليحفظ الكرامة و يقاوم الانحراف والرذيلة (✅) ، ومن أحب السجاد فليعبد الله في محراب الليل و في ليل الظلام (✅)، ومن أحب الباقر والصادق فليطلب العلم من مصدره ، ومن انتظر المهدي فليهيئ نفسه للعدل. المحبة الحقيقية تُترجم إلى سلوك، وإلى أخلاق، وإلى موقفٍ من الظلم، وإلى سعيٍ في الأرض بالصلاح.

 

لا نتعصب لأهل البيت تعصبًا أعمى، بل نتمسك بهم لأنهم الطريق إلى الله، ولأنهم النموذج الإنساني الكامل الذي يجمع بين العلم والإيمان، وبين العبادة والقيادة، وبين الرحمة والقوة. نتمسك بهم لأنهم حبل الله المتين، وأمان الأمة، وسفينة النجاة.

 

*إلى الأمام… لا إلى الوراء*

 

في زمنٍ يعبد المادة، نرفع راية القيم. وفي زمنٍ يختزل الإنسان في جسده، نُذكّره بأنه روحٌ ونفسٌ وعقل. وفي زمنٍ يبحث عن الخلاص في الآلات، نقول له: الخلاص يبدأ من القلب الواله العاشق لله، وينتهي بإمامٍ عادلٍ يملأ الأرض نورًا.

 

لن نرفض العلم، بل سنكون في طليعة العلماء. ولن نرفض التكنولوجيا، بل سنوظفها لخدمة الإنسان. ولن نرفض الحضارة، بل سنبني حضارةً تجمع بين قوة العقل ونور القلب. لكننا نرفض أن نكون عبيدًا للمادة، ونرفض أن تُلغى هويتنا تحت ضغط العصر، ونرفض أن نُستَضعف باسم الحداثة والتطور.

 

هذا هو امتحاننا اليوم: أن نبقى مؤمنين، وأن نبقى أحرارًا، وأن نبقى أوفياء لأهل البيت، لا بالشعارات، بل بالعمل. فالعالم يستطيع أن يبني أبراجًا، وأن يصنع آلاتٍ تفكر؛ أما رسالتنا فهي أن نبني إنسانًا يعرف الله بقلبه وعقله وبصره وبصيرته، ويحفظ كرامته، ويجمع بين العلم والإيمان، وبين قوة العقل ونور القلب.

 

فيا أيها المؤمن… في زمنٍ يضيع فيه الإنسان بين الآلات، كن أنت الإنسان الذي لا يضيع. كن امتدادًا لأهل البيت، لا في الزمن، بل في الرسالة. واحمل نورهم إلى المستقبل، بدل أن تهرب من المستقبل. واعلم أن الأرض لا تخلو من حجة لله، وأن الظهور قادم، وأن النصر لمن صبر وعمل.

 

اللهم عجّل لوليك الفرج، واجعلنا من أنصاره وأعوانه، ومن المستضعفين الذين يرفعون رايته، ومن الثابتين على ولايته. آمين.

 

https://mohammadabbaskawrani.com

#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية