مقالات

تاريخ : 2026-09-18 22:14 *العلمانية المشروع الأكثر توحشاً واحتيالاً في تاريخ البشر*

*العلمانية المشروع الأكثر توحشاً واحتيالاً في تاريخ البشر* محمد كوراني ٢٠٢٦.٠٩.١٥ أبدأ بالتأكيد أنني أقدّر كثيراً مداخلة الدكتور عبدالعليم محمد إسماعيل، وأرى أن الخلاف بيننا ليس خلافاً في ضرورة العلم أو العقل أو مسؤولية الإنسان، وإنما هو خلاف أعمق حول المرجعية التي ينبغي أن تقود العقل البشري حين يحاول بناء مستقبله وإنقاذ نفسه والعالم.

وأعتقد أن نقطة البداية في هذا الحوار هي أن من يؤمن بالله لا يستطيع أن يتعامل مع التاريخ والوجود وكأن الهداية الإلهية غائبة أو متروكة للصدفة. فإذا كان الله قد خلق الإنسان، وأودع فيه العقل والفطرة والإرادة، وأرسل إليه الأنبياء والكتب، فمن الطبيعي في الرؤية الإيمانية أن نفترض أن الله لا يضع الهداية في غير موضعها، ولا يترك الإنسان بلا طريق لمعرفة الغاية من وجوده وكيفية تنظيم علاقته بنفسه وبالآخرين وبالكون.

أما إذا وضعنا جميع الأديان والمعتقدات والفلسفات في مستوى واحد، ثم قلنا إن كل ما لدينا مجرد تجارب بشرية متساوية في القيمة المعرفية، فسوف نفقد منذ البداية إمكانية التمييز بين الوحي الصحيح والتحريف، وبين الحجة والوهم، وبين الهداية الإلهية والتصورات التي صنعها الإنسان عن الإله والكون.

وهنا يبدأ اختلافنا.

إذا كان الوحي إلهياً، فليس من الدقة أن نسميه مجرد تجربة بشرية

الدكتور عبدالعليم يقول إن المشروع الذي يستند إلى الوحي هو في النهاية مشروع بشري، لأن البشر هم الذين يفهمونه ويطبقونه.

وهذا صحيح في مستوى التطبيق والفهم، لكنه لا يحسم المسألة في مستوى المصدر.

فالإنسان الذي يقرأ نصاً إلهياً هو بشر، وفهمه بشري، واجتهاده بشري، ومؤسساته بشرية؛ لكن هذا لا يجعل النص الذي يؤمن بأنه وحي، بشري المصدر.

إن الطبيب يستخدم عقله لفهم قوانين الطبيعة، لكن ذلك لا يعني أن قوانين الطبيعة من اختراع الطبيب.

وبالمثل، فإن المسلم يستخدم العقل لفهم الوحي، لكن لا يلزم من بشرية الفهم أن تكون الحقيقة التي يحاول فهمها بشرية المصدر.

وهذا التفريق ضروري جداً بين:

إلهية المصدر، وبشرية الفهم، وبشرية التطبيق.

والخلط بينها يؤدي إلى نتيجة فلسفية خطيرة: فإذا كان كل ما يدخل التاريخ من خلال الإنسان يصبح بشرياً في مصدره، فإننا لن نستطيع الاعتراف بأي وحي إلهي أصلاً.

*لكن ماذا يحدث عندما نستبدل الوحي بالمشروع البشري؟*

هنا أصل إلى نقطة أعمق في كلام الدكتور عبدالعليم.

هو يقترح أن تستنزل البشرية القيم السماوية في مشروع قابل للقياس، وأن تتحول هذه القيم إلى نظم بشرية ومؤسسات وقوانين.

وأنا أتفق مع ضرورة تحويل المبادئ إلى مؤسسات قابلة للتطبيق والقياس.

لكن هناك مفارقة يجب الانتباه إليها:

بمجرد أن نفصل المشروع البشري عن المرجعية الإلهية، يصبح هو نفسه مشروعاً بشرياً قابلاً للخطأ والانحراف وإعادة تعريف الخير والشر وفق الظروف والمصالح والقوى المسيطرة.

وهنا لا نعود نتحدث عن «تطبيق الوحي»، وإنما عن إعادة إنتاج الوحي داخل فلسفة بشرية.

وقد شهد التاريخ الحديث تجارب كبرى بدأت بمشروعات لإنقاذ البشرية، ثم تحولت إلى أنظمة ضخمة أنتجت نتائج تناقض كثيراً من أهدافها الأولى.

الشيوعية وعدت بمجتمع العدالة وانتهت في تجارب عديدة إلى أنظمة قمعية.

والرأسمالية وعدت بتوسيع الازدهار، لكنها أنتجت أيضاً تركّزاً هائلاً للثروة والنفوذ.

والليبرالية رفعت شعار الحرية، لكنها لم تمنع أن تتحول الحرية الاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية إلى أدوات قوة تستطيع النخب الأكثر قدرة على امتلاك رأس المال والتكنولوجيا أن تستثمرها لمصلحتها.

فالمشكلة ليست في أن المشروع بشري فحسب، وإنما في أن البشر أنفسهم قابلون لأن يجعلوا مشاريعهم أدوات لإعادة إنتاج مصالحهم.

*وهنا تبدأ العلمانية الأكثر توحشاً واحتيالاً*

أنا لا أقصد بالعلمانية هنا كل شخص يؤمن بالفصل بين الدين والدولة، ولا كل إنسان غربي، ولا كل مؤسسة علمية.

المقصود هو العلمانية حين تتحول من ترتيب سياسي للعلاقة بين المؤسسات الدينية والدولة إلى فلسفة شاملة تستبعد المرجعية الإلهية من تفسير الإنسان والقيم والتاريخ والغاية.

هذه العلمانية تبدو في ظاهرها شديدة الإنسانية. تقول: الحرية، والعدالة، والمساواة، وحقوق الإنسان، والتنمية، والسلام، والعلم، والتقدم.

ومن حيث الشعارات، يصعب على أي إنسان عاقل أن يعترض عليها. لكن السؤال ليس: ماذا تقول الشعارات؟

بل:

من يحدد معناها؟ ومن يطبقها؟ وعلى من تطبق؟ ومن يملك القوة لتحديد حدودها؟

هنا تبدأ المشكلة. فالحرية التي تُرفع شعاراً قد تتحول إلى حرية الشركات الكبرى في السيطرة على الأسواق. وحقوق الإنسان قد تصبح انتقائية حين تتعارض مع مصالح القوى الكبرى. والعلم الذي يفترض أن يكون أداة لاكتشاف الحقيقة قد يتحول إلى مؤسسة تمولها مراكز القوة وتحدد بعض اتجاهات البحث وفق أولوياتها. والتكنولوجيا التي وُعدنا بأنها ستزيد حرية الإنسان قد تتحول إلى أداة مراقبة وتوجيه للسلوك والوعي. والاقتصاد العالمي الذي يُقدم باعتباره شبكة تعاون بين البشر قد يصبح مجالاً شرساً للتنافس على الطاقة والموارد والأسواق وسلاسل الإمداد.

فالمشكلة ليست في الكلمات.

*المشكلة في المسافة بين الكلمات والواقع.*

سادية توزيع الموارد

كيف يمكن أن نتحدث عن إنقاذ البشرية بينما لا تزال الموارد والثروة والقوة موزعة بصورة شديدة الاختلال؟

إذا كانت الأرض ملكاً لجميع البشر من حيث وجودها، فلماذا تتحول الموارد الاستراتيجية إلى مصدر قوة يسمح لدول وشركات ومراكز مالية محدودة بالتأثير في مصير ملايين البشر؟

إننا أمام تناقض حضاري:

*نظام عالمي يتحدث عن المساواة الإنسانية، بينما القوة الاقتصادية والسياسية والعلمية ليست موزعة بالتساوي.*

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل المشكلة في نقص القوانين فقط، أم في بنية القوة التي تستطيع أحياناً أن تجعل القانون نفسه يعمل بصورة مختلفة بحسب موقع الإنسان أو الدولة أو المؤسسة؟

وحشية الحرب باسم النظام العالمي

الأخطر من ذلك أن الحضارة الحديثة، رغم كل حديثها عن السلام وحقوق الإنسان، لم تنجح في إنهاء الحروب.

بل إن العلم الحديث نفسه أنتج أكثر أدوات التدمير فتكاً في تاريخ البشرية. و حصرية العلم أصبح أداة لحصرية هيمنة الأقلية على الأكثرية، أقلية التي لا تجبر نفسها على قيم الاخلاقية.

لقد أصبحت القدرة التقنية على قتل الإنسان أكبر بكثير من أي عصر سابق.

وهذا يضعنا أمام سؤال العلوم الإنسانية الحقيقي:

إذا تطورت قدرتنا على صناعة أدوات القوة أسرع من قدرتنا على تهذيب الإنسان الذي يمتلكها، فهل نستطيع أن نسمي ذلك تقدماً حضارياً كاملاً؟

العلم يستطيع أن يمنح الإنسان القوة.

لكن العلم وحده لا يضمن أن يكون الإنسان رحيماً.

وهنا تظهر الحاجة إلى الأخلاق والهداية.

المنافسة الاقتصادية وتلوث الأرض

الاقتصاد العالمي الحديث حقق إنجازات هائلة في الإنتاج والتكنولوجيا والاتصال، لكنه أنتج أيضاً نموذجاً استهلاكياً يقوم على التوسع المستمر في الإنتاج والاستهلاك.

وهنا يظهر سؤال آخر:

إذا كان نجاح الاقتصاد يقاس أساساً بمعدلات النمو والاستهلاك والإنتاج، فماذا يحدث عندما يصبح استمرار النمو مرتبطاً باستنزاف الموارد وإنتاج النفايات وتوسيع الاستهلاك بلا نهاية؟

لقد بدأ الإنسان يكتشف أن قدرته على الإنتاج يمكن أن تصبح في الوقت نفسه قدرة على إفساد البيئة التي يعيش فيها.

ولهذا فإن «إنقاذ الكوكب» يحتاج إلى أكثر من قوانين بيئية.

إنه يحتاج إلى إعادة تعريف معنى النجاح الاقتصادي نفسه.

وهنا تلتقي الرؤية الإسلامية مع سؤال الحضارة المعاصرة حول الكفاية، وعدم الإسراف، والمسؤولية عن الأرض.

الفوضى التكنولوجية: حين يصبح الإنسان هو المنتج

المشكلة لا تتوقف عند الاقتصاد.

لقد دخلنا عصراً تستطيع فيه التكنولوجيا أن تؤثر في انتباه الإنسان، وعاداته، واختياراته، وصورته عن نفسه، وعلاقته بالآخرين.

وسائل التواصل والخوارزميات والمنصات الرقمية يمكن أن تكون أدوات معرفة واتصال عظيمة، لكنها يمكن أيضاً أن تحول الانتباه البشري إلى سلعة.

وهنا يصبح السؤال:

هل التكنولوجيا تخدم الإنسان، أم أصبح الإنسان يخدم اقتصاد التكنولوجيا؟

إذا لم تمتلك العلوم الإنسانية معياراً أخلاقياً واضحاً، فقد نصل إلى مرحلة يصبح فيها كل ما يمكن فعله تقنياً قابلاً للتبرير لمجرد أنه ممكن.

وهذا أخطر من الجهل؛ لأن الجهل محدود القدرة، أما الإنسان المتقدم تقنياً بلا حكمة فخطره أكبر بكثير.

العلمانية حين تنسى العامل الإلهي

من أخطر نتائج بعض الاتجاهات العلمانية أنها لا تكتفي بمنهجية الفصل بين التفسير العلمي والتفسير الديني، وإنما تنتقل إلى نتيجة فلسفية أوسع: إذا كان الشيء قابلاً للتفسير المادي، فلا حاجة إلى أي معنى ميتافيزيقي وراءه.

وهنا يجب التمييز بين العلم والمادية الفلسفية.

العلم يستطيع أن يدرس كيف يحدث الشيء.

لكن السؤال عن الغاية والمعنى والقيمة لا يحسمه المختبر وحده.

يمكن للعلم أن يفسر آلية التفكير في الدماغ، لكنه لا يستطيع وحده أن يقرر هل ينبغي للإنسان أن يكون صادقاً.

يمكنه أن يفسر نشأة ظاهرة اجتماعية، لكنه لا يستطيع وحده أن يجعلها أخلاقية أو غير أخلاقية.

يمكنه أن يصف ما يفعله الإنسان، لكنه لا يستطيع وحده أن يجيب عن سؤال:

ما الذي ينبغي أن يفعله الإنسان؟

وهنا لا يكون الوحي منافساً للعلم، بل مكملاً له في مجال مختلف.

حين تدخل النظريات الفئوية إلى العلوم الإنسانية باسم العلم

هناك مشكلة أخرى ينبغي ألا نخاف من مناقشتها: بعض النظريات الاجتماعية والنفسية والثقافية تبدأ كفرضيات تفسيرية مفيدة، ثم تتحول مع الزمن إلى أطر شبه مغلقة يُفسَّر الإنسان كله من خلالها. *هذا التعميم غير العلمي هو أكبر عملية احتيال في تاريخ البشر ، جرت بغطاء من العلم.*

وهذا يمكن أن يحدث في أي اتجاه فكري، وليس في اتجاه واحد فقط.

المشكلة تبدأ عندما تتحول النظرية من أداة لفهم جانب من الإنسان إلى تفسير شامل للإنسان.

فالإنسان أكبر من طبقة اجتماعية، وأكبر من بنية اقتصادية، وأكبر من غرائزه، وأكبر من جنسه، وأكبر من هويته السياسية، وأكبر من تكوينه البيولوجي.

إنه كائن متعدد الأبعاد.

ولهذا فإن العلوم الإنسانية الإسلامية التي أدعو إليها لا تريد إلغاء علم الاجتماع أو علم النفس أو الاقتصاد، وإنما تريد منع اختزال الإنسان في تفسير واحد.

لكن هل يعني ذلك أن الإنسان لا يتحمل مسؤولية أفعاله؟

هنا أصل إلى جوهر اعتراض الدكتور عبدالعليم.

يخشى أن تؤدي المرجعية الإلهية إلى الهروب من المسؤولية البشرية.

وأرى أن العكس هو الصحيح إذا فهمنا الإسلام بصورة دقيقة.

الإيمان بأن الله يهدي الإنسان لا يعني أن الإنسان غير مسؤول.

بل القرآن يجعل المسؤولية أكثر وضوحاً:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.

فالإنسان يعمل، ويخطط، ويجتهد، ويخطئ، ويدفع ثمن خطئه، ويُحاسب على نيته وعمله.

ولكن هناك فرق بين أن تقول:

أنا مسؤول عن عملي.

وأن تقول:

أنا مصدر الحقيقة النهائي ولا أحتاج إلى هداية فوق معرفتي.

الأول مسؤولية.

أما الثاني فهو ادعاء استقلال معرفي وأخلاقي كامل لا أعتقد أن الإنسان المحدود يستطيع امتلاكه.

حتى الأعمال الحسنة قد تفشل

ولا يعني توجيه العمل بالهداية الإلهية أن كل مشروع ديني ينجح تلقائياً.

فهذه نقطة يجب الاعتراف بها بوضوح.

قد يخطئ المؤمن.

وقد يفشل مشروع ديني.

وقد يسيء إنسان فهم النص.

وقد تتحول مؤسسة دينية إلى مؤسسة فاسدة.

وقد يرفع سياسي شعاراً دينياً ويمارس الظلم.

ولا يصبح ذلك كله حقاً لمجرد أن صاحبه تحدث باسم الله.

لكن هذا لا يعني أن الهداية الإلهية نفسها فاشلة؛ بل يعني أن الإنسان الذي تلقاها أو فهمها أو طبقها قد أخطأ.

وفي المقابل، قد ينجح مشروع بشري مادياً في مرحلة معينة، لكنه قد يحمل داخله أسباب انهياره اللاحق.

وهنا تظهر أهمية السنن.

فالإنسان قد يتقدم اقتصادياً ثم ينهار اجتماعياً.

وقد ينتصر عسكرياً ثم ينهار أخلاقياً.

وقد يملك التكنولوجيا ثم يصبح عبداً لها.

وقد يحقق الثراء ثم يفقد المعنى.

ولهذا فإن النجاح الحضاري الحقيقي ليس مجرد النجاة من أزمة واحدة، بل القدرة على الاستمرار في التوازن بين المادة والروح، والحرية والمسؤولية، والعلم والأخلاق، والقوة والرحمة.

لماذا أصف هذا النموذج بالعلمانية الأكثر توحشاً واحتيالاً؟

لأن أخطر أشكال الهيمنة ليست التي تقول للإنسان:

أنا أسيطر عليك.

بل التي تقول له:

أنا أحررك.

ثم تجعل حريته مرتبطة بنظام اقتصادي وإعلامي وتقني يستطيع توجيه خياراته.

وأخطر أشكال الاستغلال ليست التي تقول:

أنا أستغلك.

بل التي تقول:

أنا أحقق لك مصلحتك.

وأخطر أشكال السلطة ليست التي تقول:

أنا أحكمك بالقوة.

بل التي تقول:

أنا أحمي حريتك وحقوقك.

وهنا يصبح الاحتيال أكثر تعقيداً؛ لأن السيطرة لا تأتي دائماً في صورة قمع، وإنما قد تأتي في صورة سوق، أو خوارزمية، أو قانون، أو مؤسسة، أو معيار أكاديمي، أو خطاب حقوقي، أو نموذج اقتصادي.

هذه ليست اتهاماً لكل عالم أو أكاديمي أو ليبرالي أو علماني بالتآمر.

إنها دعوة إلى دراسة بنية القوة التي يمكن أن تختبئ خلف الخطابات الجميلة.

ومن هنا نعود إلى سؤال الدكتور عبدالعليم

هل نحتاج إلى «أسلمة» المعرفة أم «أنسنة» المعرفة؟

أقول: نحتاج إلى الاثنين، ولكن ليس بالطريقة التي تجعل أحدهما بديلاً عن الآخر.

نحتاج إلى أنسنة العلم حتى لا يتحول إلى أداة لتدمير الإنسان.

ونحتاج إلى هداية الإنسان حتى لا تتحول الأنسنة نفسها إلى شعار قابل للتلاعب.

ونحتاج إلى إسلام المعرفة بمعنى إعادة النظر في تصور الإنسان والكون والغاية والقيمة، لا بمعنى وضع ملصق ديني على نتائج العلوم.

إن مشروعي لا يقول إن كل ما يأتي من الغرب باطل، ولا إن كل ما يأتي من الشرق صحيح، ولا إن كل ما يرفع شعار " الإسلام المحمدي الأصيل" مقدس.

بل يقول شيئاً أبسط وأعمق:

دعونا لا نقدس أياً من مشاريع البشرية.

لا الشيوعية.

ولا الرأسمالية.

ولا الليبرالية.

ولا القومية.

ولا العلمانية.

فما علينا الا التمسك بالقيم الحقة بكل ما أوتينا من قوة، رغم كل الشعارات التي تضج بها العالم.

فلنترك لله، انجاح مشروعه في الأرض، من خلال من شاء من أولياءه. 

المقدس هو الحق الإلهي في اثبات نجاح خريطته و خطته لإنقاذ البشر، أما فهم البشر لهذا الحق فيبقى مجالاً للعقل والاجتهاد والنقد والتصحيح.

ولهذا فإن الحضارة العالمية المشرقة القادمة، كما أتصورها، لا تحتاج إلى إنسان أقل علماً، بل إلى إنسان أكثر علماً وأكثر تواضعاً أمام الحقيقة وأكثر تمسك بهذه الحقائق؛ ولا تحتاج إلى إلغاء الحرية، بل إلى تحرير الحرية من عبودية الشهوة والمال والسلطة و القوة؛ ولا تحتاج إلى إلغاء العلم، بل إلى تحرير العلم من أن يتحول إلى خادم للقوة؛ ولا تحتاج إلى إلغاء المؤسسات البشرية، بل إلى جعلها خادمة للعدل والكرامة.

إن الخطر الحقيقي ليس في أن يقول الإنسان: أنا مسؤول عن عالمي.

بل في أن يقول:

أنا مسؤول عن عالمي، ولذلك لا أحتاج إلى أي حقيقة تتجاوزني.

وهنا تحديداً يبدأ السؤال الذي تريد «العلوم الإنسانية الإسلامية» أن تعيده إلى قلب المشروع الحضاري:

هل يستطيع الإنسان أن ينقذ الإنسان من نفسه، إذا جعل الإنسان نفسه المرجعية النهائية التي تحدد معنى الخير والشر والحرية والعدالة والحقيقة؟

إننا لا نرفض الإنسان.

بل نرفض أن يتحول الإنسان إلى إلهٍ صغير يشرّع لنفسه، ثم يستخدم العلم والاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا لتحقيق ما شرّعه لنفسه، وبعد ذلك يسمي النتيجة: تقدماً وحضارة.

ولهذا فإن «الحضارة المشرقة القادمة» ليست مشروع سيطرة دينية على العالم، وإنما محاولة للخروج من مأزق الحضارة التي امتلكت أقوى أدوات التاريخ، دون أن تمتلك بالضرورة الحكمة الكافية لاستعمالها.

وهنا يصبح نقد العلمانية ليس رفضاً للعلم، ونقد الغرب ليس رفضاً للغرب، ونقد الحداثة ليس دعوة إلى الماضي.

إنه سؤال حضاري واحد:

ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان سيداً على كل شيء، إلا نفسه؟

ربما تكون الإجابة هي أن الحضارة تستطيع أن تصبح أكثر تقدماً من أي وقت مضى، وأكثر توحشاً واحتيالاً في الوقت نفسه.

ومن هنا تبدأ الحاجة إلى حضارة جديدة، لا يكون فيها العلم بلا أخلاق، ولا الحرية بلا مسؤولية، ولا الإنسان بلا هداية، ولا القوة بلا رحمة، ولا الاقتصاد بلا عدالة، ولا التكنولوجيا بلا حكمة. 

*و أن نؤمن بأن لله أولياء في الأرض، من جنس الانسان الكامل، يسعى لتطبيق الاسلام المحمدي الأصيل ولو كره الكافرون ولو كره المشركون، ولو كره حكام العالم.* 

 

https://mohammadabbaskawrani.com

#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية