
*لو أرادت نخبة العالم وأثرياؤها حقاً دنيا أفضل*
محمد كوراني
لو أرادت نخبة العالم وأثرياؤه حقاً أن يجعلوا الدنيا أفضل، فربما يكون أول ما يحتاجون إليه ليس خطة بشرية جديدة، بل شيئاً من التواضع أمام الله. فمهما بلغت الثروة والعلم والتكنولوجيا ومراكز النفوذ، يبقى الإنسان بشراً محدود المعرفة، تحكمه أحياناً شهواته ومخاوفه وغضبه وحسده وطموحه ومصالحه الشخصية؛ ولذلك لا يستطيع، بمجرد امتلاكه المال أو السلطة، أن يصبح مؤهلاً بصورة مطلقة لرسم مستقبل البشرية كلها. هل عانيتم مثل بقية البشر من مشاكل في العائلة والمقربين، اذا أنتم كسائر البشر لايمكنكم وضع خطط مستدامة أو دائمية بل حتى طويلة لصالح البشر.
ومن المنظور الإسلامي الشيعي، تبدأ المشكلة من هنا: إذا كان الإنسان يريد إصلاح العالم، فعليه أولاً أن يكون صالحا فعليه أن يطلب الهداية من خالق الإنسان والعالم. فالله، في هذا التصور، ليس مجرد فكرة أخروية، بل هو مصدر معرفة الإنسان بطبيعته وفطرته، ومصدر المعيار الذي يستطيع أن يميز به بين ما يسعد الإنسان حقاً وما يظنه سعادة وهو في الحقيقة شكل آخر من أشكال الاستعباد.
وهنا تقدم مدرسة الإسلام والعرفان والحكمة الشيعية تصوراً مختلفاً لـ سعادة الدنيا. فالغاية ليست فقط زيادة الاستهلاك والثروة والإنتاج، وإنما بناء إنسان متوازن و عادل من الداخل، ومجتمع متوازن و عادل من الخارج، وحياة سعيدة و جميلة تتوافق مع الفطرة الإنسانية.
فالعدالة تبدأ من العدالة الفردية: أن يتعلم الإنسان السيطرة على غضبه وشهوته وطمعه وحسده وحبه للهيمنة. ثم تنتقل إلى العدالة الاجتماعية: فلا تتحول القوة والثروة والمعرفة إلى أدوات لاستعباد الآخرين، بل تصبح وسائل للعمران وخدمة الإنسان. أما الفطرة فتعني أن للإنسان حاجات عميقة لا تختزل في المال والاستهلاك: الأمن، الأسرة، المحبة، الكرامة، المعرفة، الجمال، الانتماء، العمل النافع، والقدرة على تحقيق مواهبه. بل الفطرة تكشف حقيقة عميقة جدا و هو أن الانسان والمجتمع و القيادة، لا يكفي ان يكون أصحاب معايير مثالية و عالية، بل الحفاظ على المعايير تحتاج الى ظروف و بيئة خاصة تسمى بالتربية على القيم الاخلاقية الابدية الفطرية الإلهية.
ومن هنا تصبح الدنيا السعيدة دنيا يستطيع فيها الإنسان أن يعيش بكرامة، وأن يؤسس أسرة، ويتعلم، ويعمل، ويبدع، ويستمتع بالجمال، ويتمتع بالأمن والصحة والحرية المسؤولة، من دون أن يتحول إلى عبد للسوق أو التكنولوجيا أو السلطة أو المال.
لكن التصور الشيعي يذهب أبعد من ذلك؛ إذ يرى أن الانحراف الحضاري لم يبدأ اليوم، وإنما ارتبط بانحراف تاريخي عن المسار الذي أراده الله للقيادة والهداية الربانية. ومن هذه القراءة يأتي مفهوم غصب الخلافة وقتل الوصي الحقيقي ثم واقعة كربلاء وعاشوراء باعتبارها، في العقيدة الشيعية، نقطة مفصلية في انحراف مسار القيادة الإنسانية والحضارية. ولذلك لا يكفي، وفق هذا التصور، إصلاح بعض المؤسسات الاقتصادية والسياسية؛ بل لا بد من إعادة الإنسان والحضارة إلى السكة الإلهية الصحيحة.
وهنا تظهر مسألة بالغة الأهمية: إذا كانت البشرية تريد حضارة عالمية أفضل، فإنها تحتاج إلى نوع جديد من القادة؛ لا يكون معيار اختيارهم المال أو الذكاء أو الشعبية أو القدرة على السيطرة فقط، وإنما قدرتهم على السيطرة على أنفسهم أولاً. قائد يستطيع أن يضبط شهوته عندما يمتلك القوة، وغضبه عندما يتعرض للاستفزاز، وطمعه عندما يرى الثروة، وحسده عندما يرى نجاح الآخرين، وأن يجعل عقله وحكمته فوق نزوات نفسه.
ومن هنا يمكن فهم مشروع العرفاء والحكماء: المطلوب أن يحكم العالم أشخاص واصلون الى العصمة. الناس كلهم سواسية في الظاهر، كما سطح البحر، لكن وحده الخالق يعرف العمق الحقيقي في مختلف البشر، وأبضا المطلوب أن تُربّى هذه القيادة أجيال من العلماء والقادة والمفكرين والمديرين على تهذيب النفس، والعدالة، والتواضع، ومراقبة الذات، حتى تصبح إدارة الحضارة امتداداً لإدارة الإنسان المهذب لنفسه.
وهذا هو الفرق الجوهري عن كثير من المشاريع البشرية الحديثة: المشكلة ليست أن نخبة العولمة لا تريد دنيا أفضل، بل أن الإنسان، مهما بلغ علمه وثروته، يبقى معرضاً للخطأ والانحياز والمصلحة والغضب والطمع. ولذلك فإن مشروعاً يدّعي القدرة على هندسة مستقبل البشرية من دون مرجعية متعالية عن أهواء البشر يظل معرضاً لأن يتحول، من حيث لا يقصد، إلى هندسة للبشر وفق مصالح واضعي الخطة.
اجمالا السعادة الصحيحة والاستمتاع السليم والتلذذ المستدام في الدنيا ومن الدنيا بحاجة لدورات تربوية و تأهيلية نسميها فقه الحياة و هي ضرورية كما أن العقل والحواس الخمسة ضرورية للاستمتاع.
*أما المشروع الإسلامي، في هذه الرؤية، فيبدأ من قاعدة مختلفة:*
لا نريد أن نجعل الإنسان إلهاً يخطط للإنسان كما نرى اليوم حيث يعتقد الإنسان بأنه مركز الكون و مركز الوجود كله، بل نريد أن يتواضع الإنسان أمام الله، ثم يتعلم كيف يبني الأرض وفق الهداية والعدل والفطرة.
وعندئذ لا تكون الحضارة القادمة مجرد حضارة أكثر ثراءً أو ذكاءً أو سرعة، بل حضارة أجمل وأعدل وأسعد؛ حضارة يستطيع الغربي والشرقي، والغني والفقير، والمتدين وغير المتدين، أن يجدوا فيها حياة أكثر كرامة وإنسانية.
فحتى الثري نفسه و حتى النخب المالية والسياسية أنفسهم يحتاجون إلى هذه الحضارة؛ لأن المال لا يعالج الحسد، ولا الغضب، ولا الوحدة، ولا الخوف، ولا فقدان المعنى، ولا الصراع الداخلي. ولذلك فإن تحرير الفقير من الظلم وتحرير الغني من عبودية المال كلاهما جزء من مشروع سعادة الدنيا.
وهكذا يصبح السؤال الحقيقي لنخبة العالم ليس: كيف نستطيع نحن أن نصنع العالم المثالي؟ بل: هل نحن مستعدون أولاً لأن نعترف بأننا لسنا مثاليين، وأن نطلب من الله الهداية والمعرفة إلى الطريق الذي يصلح الإنسان والعالم؟
ومن هنا تبدأ، في المنظور الشيعي، فكرة الحضارة العالمية المشرقة القادمة المنبثقة من العلوم الإنسانية الاسلامية: بإصلاح الإنسان، ثم إصلاح القيادة، ثم إصلاح المجتمع، ثم إصلاح العمران؛ لا بمجرد عرض الأسواق التنافسية والتكنولوجيا الفوضوية والمؤسسات الغبية.
https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
